أحمد بن محمود السيواسي
184
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
موته أيضا ، ثم أشار إلى غناه عنهم بقوله ( وَمَنْ يَنْقَلِبْ ) أي يرجع ( عَلى عَقِبَيْهِ ) أي وراءه « 1 » كافرا بعد الإسلام ( فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ) من ملكه وسلطانه وإنما يضر نفسه ، واللّه منزه عن الضرر والنفع ( وَسَيَجْزِي ) أي سيثيب ( اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [ 144 ] أي الذين لم ينقلبوا على أعقابكم ، بل شكروا نعمة الإسلام بالصبر كأنس بن النضر وأمثاله . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 145 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) ثم شجعهم بقوله ( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بقضائه ومشيته ولا ينجي حذر من قدر ، لأنه كتب الموت ( كِتاباً مُؤَجَّلًا ) أي ذا أجل وهو الوقت المعلوم لا يتقدم ولا يتأخر ( وَمَنْ يُرِدْ ) بطاعته ( ثَوابَ الدُّنْيا ) أي جزاء عمله من الدنيا ( نُؤْتِهِ مِنْها ) أي نعطه ثوابها ما قسم له منها وماله في الآخرة من نصيب ( وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ ) بطاعته ( نُؤْتِهِ مِنْها ) جزاء عمله ( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) [ 145 ] نعمة اللّه بالجهاد في الآخرة ، وهذه الآية تعريض بالذين شغلتهم الغنائم عن الجهاد يوم أحد . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 146 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) ثم قال تعالى ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ) بمد الألف وبكسر الهمزة بلا ياء بمعنى كم التي للتكثير وقرئ بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبتشديد الياء المكسورة « 2 » ، وأصله أيّ بمعنى بعض من كل دخل عليها كاف التشبيه فصارا كلمة واحدة ، وهي مبتدأ ، خبره ( قاتَلَ ) وقرئ قتل مجهولا « 3 » ، أي كم نبي قاتل أو قتل ( مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) أي جماعة كثيرة ، بكسر الراء نسبة إلى الربة « 4 » بمعنى الجماعة ، ف « رِبِّيُّونَ » مرفوع بالفاعلية ، فيكون القتل لهم دون النبي لما روي من الحسن وغيره : « ما قتل نبي قط في قتال » « 5 » ( فَما وَهَنُوا ) أي ما عجزوا عن القتال ( لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) من قتل أنفسهم ( وَما ضَعُفُوا ) لعدوهم بالجبن ( وَمَا اسْتَكانُوا ) أي ما خضعوا لأعدائهم بطلب الأمان منهم ، ولكنهم صبروا ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) [ 146 ] في الشدة والبلاء لأجل دين اللّه تعالى ، وهذا أيضا تعريض لما « 6 » أصابهم من الوهن والانكسار بخبر قتل رسول اللّه واستكانتهم للمشركين حتى أرادوا ، أي تعتضدوا بالمنافق عبد اللّه ابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 147 ] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) ( وَما كانَ قَوْلَهُمْ ) بنصب اللام خبر « كانَ » واسمه ( إِلَّا أَنْ قالُوا ) أي ما كان قول الذين قاتلوا مع أنبيائهم
--> ( 1 ) أي وراءه ، م : - ب س . ( 2 ) « وكأين » : قرأ المكي وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وبعدها همزة مكسورة وحينئذ يكون المد من قبيل المتصل لاجتماع حرف المد والهمز في كلمة واحدة فيمد كل منهما حسب مذهبه إلا أبا جعفر يسهل الهمزة فيكون له في المد القصر والتوسط . . . والباقون بهمزة مفتوحة بدلا من الألف وبعدها ياء مكسورة مشددة ، فان وقف عليه بالبصريان يقفان علي الياء للتنبيه علي الأصل لأن الكلمة مركبة من كاف التشبيه وأي المنونة ومعلوم أن التنوين يحذف وقفا ، والباقون يقفون بالنون اتباعا لصورة الرسم ، ولحمزة في الوقف عليه وجهان ، التسهيل والتحقيق هكذا في فتح المقفلات للعلامة المخللاتي وبلوغ المسرحات للشيخ دراهم ، والذي يظهر لي أن فيه التسهيل فقط لأن هذه الكلمة وإن كانت مركبة بحسب الأصل من كاف التشبيه وأي . . . البدور الزاهرة ، 70 - 71 . ( 3 ) « قاتل » : قرأ نافع بالهمزة ، والباقون بالتشديد ، وقرأ نافع والمكي والبصريان « قتل » بضم القاف وكسر التاء ، والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما . البدور الزاهرة ، 71 . ( 4 ) الربة ، ب : الرب ، س ، الربه ، م . ( 5 ) انظر الكشاف ، 1 / 205 . ( 6 ) لما ، ب : لمن ، س م .