أحمد بن محمود السيواسي
179
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
صلاة الغداة في قنوته وقد خرجوا إلى الغزو ومحتسبين « 1 » ، قوله ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) معطوفان على « ليقطع » ، أي نصركم « 2 » ليقطع طرفا من الكافرين أو يهزمهم أو يتوب عليهم فيؤمنوا أو يعذبهم إن لم يؤمنوا ( فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) [ 128 ] أنفسهم بكفرهم فيكون « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه ، وقيل : يجوز أن يكون « أَوْ يَتُوبَ » نصبا بتقدير « أن » « 3 » ، أي ليس لك من أمرهم شيء من التوبة والعقوبة إلا أن يتوب اللّه عليهم « 4 » فتسر أو يعذبوا فتشتفي « 5 » منهم ، ويجوز أن يكون « أو » بمعنى حتى ، فلا يكون اعتراضا على التقديرين . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 129 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) ثم عظم نفسه بأنه المالك المطلق على جميع خلقه بقوله ( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي أهلهما عبيده وملكه ( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) أي الذنب الكبير ( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) أي على الذنب الصغير إذا أصر عليه ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 129 ] لمن تاب عن الذنوب وأطاع أمره أو غفور رحيم بتأخير العذاب عن المسيئين المستوجبين العذاب وقبول « 6 » التوبة عن التائبين عن محارمه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 130 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) ثم غلظ في تحريم الربوا الذي هو من المحارم التي لا تغفر « 7 » كعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والخيانة في الأمانة وظلم العباد ، روي : أن رجلا كان عاقا بوالديه ، يقال له علقمة ، فقيل له عند الموت : قل « لا إله إلا اللّه » ، فلم يقدر عليه حتى جاءت « 8 » أمه فرضيت عنه فقال بكلمة التوحيد ثم مات « 9 » بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) أي أمثالا كثيرة متزايدة ، ف « أَضْعافاً » نصب على الحال من « الربا » ، و « مُضاعَفَةً » صفتها ، ففي هذه الآية إيماء إلى أن الربوا يضر بايمان المؤمنين ، ونهى لهم عن أكله مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه ، أي لا تضعفوا أموالكم بالربوا إن كان لكم « 10 » إيمان باللّه وآياته ، وكان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل والمال بعد بيع الشيء بأكثر من قيمته فيزيد ماله بذلك ، ثم أكد النهي عن أكله بقوله ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) من أكل الربوا وعمله ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ 130 ] من العقوبة في الآخرة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 131 ] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) ثم زاد على التخويف فقال ( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ ) أي خلقت وهيئت ( لِلْكافِرِينَ ) [ 131 ] باللّه وآياته ، قيل : معنى هذه الآية اتقوا العمل الذي ينزع به الإيمان عند الموت فتستحقون به الخلود في النار كالكفار « 11 » ، وقد جاء في ذلك آثار كثيرة ، منها قضية ثعلبة ، وروى أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة رضي اللّه عنهما أكثر ما ينزع الإيمان لأجل الذنوب من العبد عند الموت وأسرعها نزعا للإيمان ظلم العباد « 12 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 132 ] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) ثم قال ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ ) في فرائضه وتحريم الربوا ( وَالرَّسُولَ ) في سننه وفيما بلغكم من تحريم الربوا وغيره ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [ 132 ] أي رجاء أن يرحمكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم فلا تعذبوا بالنار المعدة للكفار .
--> ( 1 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 297 . ( 2 ) نصركم ، ب س : ينصركم ، م . ( 3 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 1 / 199 . ( 4 ) أن يتوب اللّه عليهم ، ب : أن يتوب عليهم ، س م . ( 5 ) فتشتفي ، ب س : فتشفي ، م . ( 6 ) وقبول ، ب م : في قبول ، س . ( 7 ) لا تغفر ، ب م : لا يغفر ، س . ( 8 ) جاءت ، ب م : جاء ، س ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 298 . ( 9 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 1 / 298 . ( 10 ) لكم ، ب م : بكم ، س . ( 11 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 298 . ( 12 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 298 .