أحمد بن محمود السيواسي
157
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بعد غروب الشمس وبعد طلوع الفجر في ساعة قبل الإسفرار « 1 » ، فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا : هذا سحر ( وَأُبْرِئُ ) أي أشفى ( الْأَكْمَهَ ) وهو مطموس العين أو الذي ولد أعمى ( وَالْأَبْرَصَ ) أي الذي به وضح وإنما خصهما « 2 » بالذكر للشفاء ، لأنهما مما أعيا الأطباء في تداويهما ، لأنه بعث زمان الطب ، وسألوا الأطباء منهما ، فقال جالينوس وأصحابه : إذا ولد أعمى لا يبرأ بالعلاج ، وكذا الأبرص إذا كان بحال لو غرزت الإبرة فيه لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج ، فرجعوا إلى عيسى ، وجاؤوا بالأكمه والأبرص ، فمسح يده بعد الدعاء عليهما فأبصر الأعمى وبرئ الأبرص ، فآمن به البعض وجحد البعض ، وقالوا : هذا سحر ، روي : أنه أبرأ في يوم واحد خمسين ألفا من المرضى « 3 » ، ثم قال ( وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ ) فسألوا جالينوس عنه ، فقال : الميت لا يحيى بالعلاج ، فإن كان هو يحيي الميت فهو نبي وليس بطبيب ، وطلبوا منه ، أي يحيي الموتى فأحيى أربعة : عازر وكان صديقا له وابن العجوز الذي حمل على سرير وابنة العاشر ماتت وأتى عليها ليلة وسام ابن نوح ، وكان قوم عيسى يقولون : إنه يحيي من كان موته قريبا ، فلعلهم أصابتهم سكتة فحييوا « 4 » ، فقالوا له : أحي سام ابن نوح ، فقال : دلوني على قبره ، فجاؤوا به على قبره فدعا اللّه فأحياه فقال له عيسى : كيف شاب رأسك ؟ ولم يكن له شيب في حيوتك ، فقال : شاب رأسي حين سمعت صوتا يقول أجب روح اللّه ، فحسبت أن القيامة قد قامت ، فشاب من هول ذلك رأسي ، قيل : كان موته أكثر من أربعة آلاف سنة « 5 » ، فقال للقوم : صدقوه فإنه نبي فآمن به بعض وكفر به « 6 » البعض قائلين بأنه سحر ، وكرر قوله « باذن اللّه » نفيا لتوهم « 7 » الألوهية فيه ، ثم قالوا لعيسى : أرنا آية نعلم بها أنك صادق ، فقال ( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ ) من أنواع المآكل ( وَما تَدَّخِرُونَ ) أي وما تخبئون للغد ( فِي بُيُوتِكُمْ ) فكان يخبر الرجل لما أكل قبل وبما يأكل « 8 » ويخبر الصبيان ، وهو في المكتب بما يصنع أهلهم وبما يأكلون ويشربون ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي فيما صنع عيسى عليه السّلام ( لَآيَةً لَكُمْ ) أي علامة لنبوته ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 49 ] أي مصدقين أنه نبي . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 50 ] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) قوله ( وَمُصَدِّقاً ) حال معطوف على قوله « بآية » ، أي وجئتكم مصدقا بالكتاب الذي أنزل علي ، وهو الإنجيل ( لِما بَيْنَ يَدَيَّ ) أي لما تقدمني « 9 » ( مِنَ التَّوْراةِ ) يعني أنه موافق له في الدين « 10 » ( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ ) أي وجئتكم لأن أرخص لكم ( بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) في شريعة موسى عليه السّلام من لحوم السمك ولحوم الإبل والشحوم والثروب ، جمع ثرب وهو شحم دقيق يتصل بالأمعاء ولحم كل ذي ظفر ، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له ، وهي شوكة الحائك التي بها يسوي السدي واللحمة أو أحل لهم جميع المحرم عليهم ، فيكون « بعض » بمعنى كل ، قوله ( وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) كرره تأكيدا ، أي ما جئت لكم إلا ببرهان بين يجب اتباعي به عليكم ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) فيما يأمركم به وينهاكم ( وَأَطِيعُونِ ) [ 50 ] فيما أدعوكم إليه ولا تخالفوني فيما أنصح لكم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 51 إلى 52 ] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) ( إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) أي إلهي وإلهكم ورازقي ورازقكم ( فَاعْبُدُوهُ ) ولا تعصوه بالشرك ( هذا ) أي التوحيد الذي أدعوكم إليه ( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) [ 51 ] لا عوج فيه يوصلكم إلى معرفة اللّه ودخول الجنة ( فَلَمَّا أَحَسَّ ) أي
--> ( 1 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 269 . ( 2 ) خصهما ، ب م : اختصهما ، س . ( 3 ) عن وهب ، انظر البغوي ، 1 / 469 . ( 4 ) فحييوا ، ب س : فحيوا ، م . ( 5 ) هذا الأثر مأخوذ عن السمرقندي ، 1 / 269 . ( 6 ) وكفر به ، س : وكفر ، ب م . ( 7 ) لتوهم ، ب م : لتهمة ، س . ( 8 ) يأكل ، ب م : أكل ، س . ( 9 ) تقدمني ، ب س : يقدمني ، م . ( 10 ) في الدين ، م : في الدين قوله ، ب س .