أحمد بن محمود السيواسي

139

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الدواة « 1 » والقلم ( فَرِهانٌ ) جمع رهن ، وقرئ « رهن » « 2 » جمعه « 3 » أيضا ، أي فالتوثق رهن ( مَقْبُوضَةٌ ) أي مسلمة إلى المرتهن ولا بد من القبض خلافا لمالك ، وإنما شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر ، لأن السفر لما كان مظنة عدم الكتب والإشهاد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال « 4 » ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) أي وثق طالب الحق على المطلوب ، لأنه علمه أمينا فلم يطلب منه الرهن ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) قرئ بسكون الهمز وضمه بمعنى واحد « 5 » ، أي فليقض المطلوب الأمين ما في ذمته من الدين من غير رهن منه ( وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ) في أداء الدين من غير مطل . ثم خاطب الشهود بالتهديد من كتمان الشهادة بقوله ( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ) إذا دعيتم إلى الحاكم لأدائها على وجهها ( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ ) أي فاجر ( قَلْبُهُ ) وهو رفع ب « آثِمٌ » على الفاعلية ، ويجوز كونه مبتدأ و « آثِمٌ » خبره ، والجملة خبر « إن » ، أسند ال « آثِمٌ » إلى القلب لما عرف أن إسناد الفعل إلى القلب أبلغ من إسناده إلى الجارحة التي تعمله به ، وفيه إشارة إلى أن ذلك من معاظم الذنوب ، لأن القلب أصل في أفعال الجوارح ، ولأنه محل النيات ، فيكون أقوى في الإثم ، قيل : المراد به مسخ القلب « 6 » ، عن ابن عباس رحمه اللّه : « أكبر الكبائر الشرك باللّه وشهادة الزور وكتم الشهادة » « 7 » ( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) [ 283 ] من إقامة الشهادة وكتمانها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) قوله ( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي له الملك كله فيهما وحكمه نافذ في أهلهما ، فلا تعبدوا أحدا سواه ولا تعصوه فيما يأمركم وينهاكم ، نزل لتأكيد تهديد عباده من العصيان « 8 » ( وَإِنْ تُبْدُوا ) أي إن تظهروا ( ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) أي في قلوبكم ( أَوْ تُخْفُوهُ ) من المعصية ككتمان الشهادة وموالاة المشركين وغيرهما من المناهي ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) أي يجازيكم به ، قيل : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين مشقة شديدة ، وقالوا : يا رسول اللّه ! إنا لنحدث أنفسنا بالمعصية ولا نعمل بها فنزل قوله « 9 » « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ » « 10 » فنسخت به « 11 » ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا

--> ( 1 ) الدواة ، ب م : الدوات ، س . ( 2 ) « فرهان » : قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم الراء والهاء من غير ألف ، والباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 57 . ( 3 ) جمعه ، ب م : جمع ، س . ( 4 ) وإنما شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لأن السفر لما كان مظنة عدم الكتب والإشهاد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال ، ب : وإنما شرط السفر في الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لأن السفر لما كان مظنة عدم الكتب والإشهاد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال ، س ، - م . ( 5 ) « الذي اؤتممن » : أبدل همزه حال الوصل ورش والسوسي وأبو جعفر ياء خالصة لأن همزة الوصل تذهب في الدرج فيصير قبل الهمزة كسرة ، والكسرة لا يجانسها إلا الياء ، وكذلك قرأ حمزة عند الوقف علي « اؤتمن » ، أما لو وقفت علي الذي وابتدأت بقوله « اؤتمن » فحينئذ يجب الابتداء لكل القراء بهمزة مضمومة وهي همزة الوصل وبعدها واو ساكنة لأن أصله أؤتمن بهمزتين الأولي مضمومة وهي همزة الوصل ، والثانية ساكنة وهي فاء الكلمة ، فيجب ابدال الثانية حرف مد مجانسا لحركة ما قبلها عملا بقول الشاطبي وإبدال أخري الهمزتين لكلهم . البدور الزاهرة ، 57 - 58 . ( 6 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 414 . ( 7 ) انظر الكشاف ، 1 / 158 . ( 8 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 1 / 414 . ( 9 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 239 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 78 ( عن أبي هريرة ) ؛ والبغوي ؛ 1 / 415 ( عن أبي هريرة ) . ( 10 ) البقرة ( 2 ) ، 286 . ( 11 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 1 / 414 ؛ وانظر أيضا قتادة بن دعامة السدوسي ، كتاب الناسخ والمنسوخ في كتاب اللّه تعالي ( التحقيق : حاتم صالح الضامن ) ، 1409 - 1988 ، بيروت ، 37 ( عن قتادة ) ؛ وأبو جعفر النحاس ، 85 ، 86 ؛ وهبة اللّه بن سلامة ، 20 ، 21 ؛ وابن الجوزي ، 21 .