أحمد بن محمود السيواسي
133
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
النون وإخفاء حركة العين وبكسر النون والعين للاتباع والتشديد فيه اتفاق « 1 » ، أي فنعم الشيء شيئا الصدقة المعلنة ، ف « نعم » فعل مدح ، فاعله مضمر فيه ، و « ما » نكرة بمعنى شيء ، مفسرة للضمير المبهم ، ويقصد به فعل الفاعل وهو الإبداء المعلوم بالذكر و ، هي خبر مبتدأ محذوف بتقدير المضاف عائد إلى الصدقة ، كأنه قيل : ما الممدوح ؟ فقيل : هي الصدقة ، يعني إبداء الصدقة المفروضة ( وَإِنْ تُخْفُوها ) أي الصدقة ( وَتُؤْتُوهَا ) أي تعطوها ( الْفُقَراءَ ) سرا ( فَهُوَ ) أي فالإخفاء ( خَيْرٌ لَكُمْ ) من الإبداء وأفضل من الجهر وكل متقبل إذا صلحت النية ، قيل : « إعلان الفريضة أفضل من إخفائها بخمسة وعشرين ضعفا وصدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا » « 2 » ، قال عليه السّلام : « صدقة السر تطفئ غضب الرب » « 3 » ، وهذا محمول على التطوع ، قوله ( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ ) بالنون والياء والجزم عطف على محل الجزاء ، لأنه جواب الشرط وبالرفع على الاستئناف « 4 » ، أي ونحن نكفر أي نمحو عنكم ( مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ) أي جميع ذنوبكم على زيادة « من » أو هي تبعيض ، لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية ( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [ 271 ] من التصدق في حالين فيجازيكم به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) قوله ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) أي التوفيق إلى الهداية للكفار ، نزل حين كان المسلمون يمتنعون عن التصدق على كافر حتى يسلم « 5 » ، فقال تعالى للنبي : عليك يا محمد هداية البيان للدعوة كما في قوله « وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » « 6 » ، وليس عليك هداية التوفيق للكافرين حتى يسلموا ( وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي ) أي يرشد هداية التوفيق ( مَنْ يَشاءُ ) فيسلم ، يعني لو أنفقت لأقربائك المشركين لكان ثواب نفقتك لك ، فيه إيماء إلى أن الكفر لا يمنع صدقة التطوع ، واختلف العلماء في الواجب ، قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : يجوز إنفاق صدقة الفطر لأهل الذمة ، ومنعه غيره « 7 » ( وَما تُنْفِقُوا ) أي أي شيء تتصدقوا ( مِنْ خَيْرٍ ) أي من مال ( فَلِأَنْفُسِكُمْ ) أي فثوابه لكم لا لغيركم ( وَما تُنْفِقُونَ ) أي لا تتصدقون « 8 » في طاعة اللّه ( إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ ) أي لطلب ثوابه ( وَما تُنْفِقُوا ) أي أي شيء تتصدقوا ( مِنْ خَيْرٍ ) في أهل الذمة وغيرهم ( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) أي يعط ثوابه لكم وافرا مضاعفة ، و « ما » هذه شرط و « يوف » مجزوم ، جزاؤه ( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) [ 272 ] شيئا من ثوابكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 ) قوله ( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا ) صلة فعل محذوف أي أنفقوا لهم أو « 9 » خبر مبتدأ محذوف ، أي صدقاتكم للفقراء الذين حبسوا نفوسهم ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي في طاعته من الغزو وتلاوة القرآن والعبادة في المسجد ، وهم أهل الصفة ، كانوا مقدار أربعمائة يسكنون المسجد ويقرؤون القرآن ويعبدون ربهم « 10 » فيه ليلا ونهارا ،
--> ( 1 ) « فنعما » : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين ، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين ، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين ، واختلف عن قالون والبصري وشعبة ، فروي عنهم وجهان : الأول كسر النون واختلاس كسرة العين وهذا هو الذي ذكره الشاطبي ، الثاني كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر . البدور الزاهرة ، 55 . ( 2 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 1 / 152 . ( 3 ) روي الترمذي نحوه ، الزكاة ، 28 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 391 . ( 4 ) « ويكفر » : قرأ نافع والأخوان وأبو جعفر وخلف بالنون وجزم الراء ، وقرأ المكي والبصريان وشعبة بالنون ورفع الراء ، وقرأ الشامي وحفص بالياء ورفع الراء . البدور الزاهرة ، 56 . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 392 . ( 6 ) الشوري ( 42 ) ، 52 . ( 7 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 1 / 153 . ( 8 ) تتصدقون ، ب س : يتصدقون ، م . ( 9 ) صلة فعل محذوف أي انفقوا لهم أو ، م : - ب س . ( 10 ) ربهم ، س م : اللّه ، ب .