أحمد بن محمود السيواسي

129

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

علمي بالاستدلال علما بالمعاينة ، وهو عين اليقين ، وإنما استفهمه اللّه تعالى مع أنه كان عالما بايمانه ، لأنه أراد بسؤاله عنه أن يظهر إيمانه لكل سامع بقوله « بلى » ( قالَ ) اللّه إن ترد رؤية ذلك ( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ) ديكا وطاووسا وغرابا وحمامة ( فَصُرْهُنَّ ) بضم الصاد أي قطعهن وبكسر الصاد « 1 » ، أي أمهلن بمعنى اضممهن ( إِلَيْكَ ) لتعرف أشكالها لئلا يلتبس « 2 » عليك بعد عودها إليك ، ثم اقطع رؤوسهن « 3 » ، وقطعهن بحيث يختلط لحمهن بعضه ببعض ، ثم جزئهن سبعة أجزاء ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ ) من جبال أرضك وكانت سبعة ، وقيل : « كانت أربعة ، فجزأها أربعة أجزاء » « 4 » ، فقال تعالى : ضع على كل جبل ( مِنْهُنَّ ) أي من كل تلك الطيور « 5 » ( جُزْءاً ) بضم الزاء وسكونها « 6 » ( ثُمَّ ادْعُهُنَّ ) أي قل لهن تعالين باذن اللّه ( يَأْتِينَكَ سَعْياً ) أي مشيا سريعا على أرجلهم ، وهو مصدر مؤكد أو حال بمعنى ساعيات ، ففعل كما أمره فعاد كل جزء إلى جسده ، ثم آتين إلى رؤوسهن لئلا يتوهم أنها غير تلك الطيور ، فوصلت برؤوسهن فعادت كما كانت ، وجعل إبراهيم ينظر ويتعجب حيث ينضم بعضها إلى بعض ويتشكل كل طير على شكله الأول ، ثم قال تعالى عند ذلك ( وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) أي غالب بالانتقام عمن لم يؤمن ( حَكِيمٌ ) [ 260 ] يفعل كل شيء بالحكمة والاتقان . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 261 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) ثم حث المؤمنين بأنه عزيز حكيم على الإنفاق والتصدق في سبيله تحقيقا للإيمان في قلوبهم بالثواب وتخليصا لنفوسهم عن العذاب بقوله ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي مثل نفقات المنفقين في طاعته ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ ) لزراع « 7 » زرعها في أرض عامرة ( أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) فرضا وتقديرا ، والمنبت هو اللّه ولكنها سبب الإنبات ، أي خرجت سبع شعب من أصلها لجودة الحب وحذاقة الزارع وعمارة الموضع ، وضع جمع الكثرة موضع جمع القلة ، وهو سنبلات ( فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) فيكون « 8 » جملتها سبع مائة حبة ، فكذلك المتصدق الصالح بالمال الصالح إذا أعطاه من يستحقه باذن الشرع يعطيه اللّه بكل صدقة سبع مائة حسنة أو أكثر ( وَاللَّهُ يُضاعِفُ ) بالألف من المضاعفة وبالتشديد « 9 » من التضعيف أي يزيد الثواب ( لِمَنْ يَشاءُ ) من المنفقين لا لكل منفق لتفاوت الأحوال بينهم ( وَاللَّهُ واسِعٌ ) أي واسع الفضل لتلك الأضعاف ( عَلِيمٌ ) [ 261 ] بإنفاقهم ونياتهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 262 إلى 263 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 ) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( 263 ) ثم بين لهم طريق الإنفاق في سبيله لنيل ثوابه فقال ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي يتصدقونها في مواضعها ( ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا ) فيها ( مَنًّا ) أي لا يمنون عليهم بما تصدقوا بأن يقول المتصدق المان : اصطنعتك كذا خيرا و « 10 » أحسنت إليك كثيرا ( وَلا أَذىً ) أي ولا يؤذونهم بأن يقول المتصدق المؤذي : إني قد أعطيتك ،

--> ( 1 ) « فصرهن » : قرأ حمزة وخلف وأبو جعفر ورويس بكسر الصاد ويلزمه ترقيق الراء ، الباقون بضم الصاد ويلزمه تفخيم الراء . البدور الزاهرة ، 54 . ( 2 ) يلتبس ، س م : تلتبس ، ب . ( 3 ) رؤوسهن ، ب م : رأسهن ، س . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 1 / 376 . ( 5 ) أي من كل تلك الطيور ، م : أي من تلك الطيور ، ب س . ( 6 ) « جزءا » : قرأ شعبة بضم الزاي ، وأبو جعفر بحذف همزته وتشديد زايه ، والباقون باسكان الزاي وبالهمزة 5 * عيون التفاسير - 1 منونا ولحمزة وقفا نقل حركة الهمزة إلي الزاي مع حذف الهمزة وإبدال التنوين ألفا . البدور الزاهرة ، 54 . ( 7 ) لزراع ، ب س : أي كزراع ، م . ( 8 ) فيكون ، ب م : فتكون ، س ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 228 . ( 9 ) « يضاعف » : قرأ المكي والشامي وأبو جعفر ويعقوب بتشديد العين وحذف الألف ، والباقون بتخفيف العين وإثبات الألف . البدور الزاهرة ، 54 . ( 10 ) و ، س م : أو ، ب .