أحمد بن محمود السيواسي
123
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
رأوا من كثرتهم ، قيل : كان معه مائة ألف ، كلهم شاكون في السلاح « 1 » ( قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ) أي يوقنون ( أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ ) بالبعث بعد الموت ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ) أي جند قليل ( غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بإرادته ونصره إذا خلصت نيتهم في طاعة اللّه ( وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [ 249 ] بالنصرة على عدوهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 250 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) ( وَلَمَّا بَرَزُوا ) أي خرجوا واصطفوا في فضاء من الأرض ( لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) دعوا اللّه بالإخلاص ( قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ ) أي اصبب « 2 » ( عَلَيْنا صَبْراً ) على القتال ( وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ) عنده ( وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) [ 250 ] وكان داود عليه السّلام راعيا لغنم أبيه وكان له سبعة إخوة مع طالوت للقتال فأرسله أبوه لينتظر إليهم ويأتي به خبرهم لبطؤهم ، فمر في الطريق بحجر ، فقال له خذني ، فاني حجر إبراهيم الذي قتل بي عدوه ، فأخذه وجعله في مخلاته ، ثم مر بآخر ، فقال : خذني فاني حجر موسى قتل بي عدوه ، ثم بثالث ، فقال : خذني ، فاني أقتل جالوت فأخذه فأتاهم وهم قد برزوا لجالوت ، وقال جالوت : من يبارزني اليوم ؟ فلم يخرج إليه أحد ، فقال داود لإخوته : أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فقالوا له : اسكت ، فذهب داود إلى ناحية فيها طالوت ، فقال داود له : ما تصنع بمن يقتل هذا الأقلف ؟ قال طالوت : أنكحه ابنتي وأجعل له نصف ملكي ، قال : أنا أخرج إليه ، فأعطاه طالوت درعه وسيفه فردهما إليه ، وقال : إني لم أتعود القتال في الدرع ، قال له طالوت : هل جربت نفسك ، قال : نعم ، فأمره بأن يخرج إليه ، فأخذ قذافته وخرج ، فلما رآه جالوت قال : خرجت لتقتلني بالقلاعة كما تقتل الكلاب « 3 » ، قال له داود : هل أنت إلا مثل الكلب ، وكان على رأسه بيضة ثلاثمائة رطل ، فأخذ حجرا من الأحجار الثلاثة فوضعه في قذافته فرماه فوقع في صدره فنفذ من صدره ، وقتل من خلفه خلقا كثيرا « 4 » ، وقيل : رمى واحدا بعد واحد « 5 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 251 ] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) فزوجه طالوت ابنته ، وأراد أن يعطي له نصف ملكه ومنعه وزراؤه ، وقالوا : هو يصير منازعا لك فيفسد ملكه فامتنع من ذلك وحسده فأراد قتله ، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل « 6 » فيه طالوت تائبا عن حسده ، ثم خلفه داود في الملك كله فقال تعالى ( وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ) أي أعطاه ملك اثني عشر سبطا ( وَالْحِكْمَةَ ) أي النبوة ، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة ( وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ) من صنعه « 7 » الدرع ولنطق الطير وتسبيح الجبال وكلام النمل ( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ ) بغير الألف وبالألف « 8 » ، وأصل الدفع الصرف ، أي ولولا أن يصرف اللّه ( النَّاسَ بَعْضَهُمْ ) أي المشركين والمفسدين ( بِبَعْضٍ ) أي بالمؤمنين
--> ( 1 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 220 . ( 2 ) اصبب ، ب م : أصب ، س . ( 3 ) تقتل ، ب م : يقتل ، س . ( 4 ) لعل المفسر اختصره من السمرقندي ، 1 / 220 . ( 5 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 220 . ومصدر هذه الرواية التورية ، انظر سمؤل الأول ( LEUMAS . I ) ، 17 / 38 - 43 . وقال ابن كثير بعد أن حكى نحو هذه الرواية : « هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي باسناده . وفي بعض هذا نظر ونكارة ، واللّه أعلم » . انظر البداية والنهاية ، 2 / 9 . وقال أيضا : « وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف ههنا قصصا وأخبارا ، أكثرها إسرائليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم واللّه أعلم يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم » . انظر البداية والنهاية ، 1 / 12 . ( 6 ) فقتل ، ب س : وقتل ، م . ( 7 ) صنعه ، ب م : صنع ، س . ( 8 ) « ولولا دفع اللّه » : قرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب بكسر الدال وفتح الفاء وألف بعدها ، والباقون بفتح الدال وإسكان الفاء من غير ألف . البدور الزاهرة ، 52 .