أحمد بن محمود السيواسي
111
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فان حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ولتفعلوا « 1 » تلك الخيرات من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، قال عليه السّلام : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فاليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » « 2 » ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ ) لأقوالكم ( عَلِيمٌ ) [ 224 ] بنياتكم فيجازيكم عليها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 225 ] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) ( لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ ) أي لا يعاقبكم بلغو يمينكم ، واللغو هو المطروح من الكلام لكونه باطلا ، يقال : لغي لغوا إذا قال باطلا ، ولغو اليمين أن يحلف الرجل باللّه على شيء يظن أنه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذي يحلف ماضيا أو غيره فليس له إثم ولا كفارة ، هذا عند أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، وأما عند الشافعي رضي اللّه عنه فلغو اليمين ما سبق إليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا واللّه وبلى واللّه ، وفي الآية معنيان : أحدهما لا يعاقبكم اللّه باللغو ( فِي أَيْمانِكُمْ ) بالظن ( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ ) أي يعاقبكم ( بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) من قصد الإثم بالكذب في اليمين ، وهو أن يحلف الرجل على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس ، وسميت بالغموس لا نغماس صاحبها في الإثم بها ، وثانيهما لا يؤاخذكم ، يعني لا يلزمكم اللّه الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده ( وَاللَّهُ غَفُورٌ ) لمن حنث وفرّ عن يمينه ( حَلِيمٌ ) [ 225 ] حيث لم يعاقبكم باللغو في اليمين ، ورخص لكم الحنث والتكفير في غيره ، قيل : إذا حلف أحدكم بشيء فحنث ، إن كان مستقبلا فعليه كفارة وهو اليمين المنعقدة وإن كان ماضيا فإن كان الحالف عالما بالواقع وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند أبي حنيفة رضي اللّه عنه في الكبائر ، وعند الشافعي رحمه اللّه يجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وإن كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى أنه صادق فيه وليس كذلك فلا كفارة فيه وهو يمين اللغو عند أبي حنيفة ، واليمين « 3 » الغموس عند الشافعي رضي اللّه عنه ويحكم فيه بالكفارة « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 226 ] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) قوله ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ) أي يحلفون على القربان ، من الإيلاء وهو يتعدى ب « على » ، لكنه ضمن معنى البعد فتعدى ب « من » ، فكأنه قال : يبعدون بالقسم ( مِنْ نِسائِهِمْ ) نزل فيمن كان يكره امرأته ويخاف أن يطلقها فيتزوجها غيره فيحلف على أن لا يقربها فيتركها لا ذات بعل ولا أيما « 5 » ، فبين اللّه تعالى الحكم في المؤلين ، فقال للذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم ( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) أي انتظار أجل أربعة أشهر بعد الحلف ( فَإِنْ فاؤُ ) تفصيل للذين يؤلون ، أي فهم بعد الإيلاء ان رجعوا عن اليمين في تلك الأشهر وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي المدة ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) يغفر للمؤمنين لرجوعهم من ضرار نسائهم بالإيلاء ( رَحِيمٌ ) [ 226 ] يرحم لهم بترخيص الكفارة في ذلك ، قيل : إن فاء الحالف إليها في المدة بالوطئ إن أمكنه أو بالقول إن عجز عن الوطئ صح الفيء وحنث بالوطئ ولزمته كفارة اليمين ولا تلزمه « 6 » بالفيء بالقول وإن مضت المدة ولم يفئ إليها بانت بتطليقة « 7 » عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، وعند الشافعي رضي اللّه عنه لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ، أي يحلف الرجل على أنه لا يقربها أكثر من أربعة أشهر ، فإذا مضت المدة وقف فأما أن يجامع أو يطلق فان أبى طلق عليه القاضي وإن عجز عن الجماع فاء بلسانه ، والحر والعبد سواء في مدة الإيلاء عند الشافعي رضي اللّه
--> ( 1 ) ولتفعلوا ، ب : وليفعلوا ، س م . ( 2 ) أخرجه مسلم ، الأيمان ، 11 - 13 ؛ والترمذي ، النذور ، 6 ؛ والنسائي ، الأيمان ، 15 ، 16 ؛ وابن ماجة الكفارات ، 7 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 129 - 130 . ( 3 ) اليمين ، ب س : يمين ، م . ( 4 ) لعله اختصره من البغوي ، 1 / 298 - 299 ؛ والكشاف ، 1 / 130 . ( 5 ) لعل المفسر أخذه باختصار من البغوي ، 1 / 300 . ( 6 ) تلزمه ، س : يلزمه ، ب م . ( 7 ) بتطليقة ، س : بتطليقه ، ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 130 .