أحمد بن محمود السيواسي

108

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

قرئ بالباء والثاء « 1 » من الكثرة ، أي وافر من الفحش والمخاصمة والعداوة بسببهما ( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) من اللذة واستمرار الطعام وكسب المال بالتجارة في الخمر ونيل المال بلا تعب في الميسر وانتفاع الفقراء بلحم الجزور ، روي في صفة الميسر : أنهم كانوا يشترون جزورا في الجاهلية وينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء ثم يضربون سهامهم بالقدح ، يعني يعين كل واحد سهمه بقدح موسوم به ، ويتركون قدحا بلا نصيب موسوما باسم رجل ، ويجعلون جميع الأقداح في خريطة ، ويضعونها على يد عدل ، ثم يدخل يده فيخرج باسم رجل قدحا منها ، فمن خرج سهمه أولا يأخذ نصيبه من اللحم ، ولا يكون من الثمن عليه شيء ومن خرج قدحه بلا نصيب كان عليه ثمن الجزور ، ولا شيء له من اللحم ، ويطعمونها الفقراء وهم لا يطعمون منها ، ويفتخرون بذلك « 2 » ، والمراد من الميسر هنا جميع القمار ، فتركهما بعض الناس ، وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، ولم يتركهما كثير منهم ، وقالوا : نأخذ منفعتهما ونترك إثمهما ، ثم نزلت آية « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » « 3 » حين قرأ بعضهم « أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ » « 4 » في الصلاة بترك « لا » في « لا أَعْبُدُ » ، فترك الخمر بعض الناس ، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة حتى نزلت آية « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ » « 5 » إلى آخرها حين شرب قوم في دعوة عتاب بن مالك ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا وتهاجوا فضرب بعضهم رأس بعض بلحيي بعير فشجه موضحة فشكا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عمر رضي اللّه عنه : « اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا » ، فلما نزلت الآية إلى قوله « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » « 6 » قال عمر : انتهينا يا رب ، فصار شربها حراما عليهم حتى قال البعض : ما حرم علينا شيء أشد من الخمر ، وهي ما غلا واشتد وقذف الزبد بلا طبخ النار من عصير العنب يحد شاربها ويفسق ويكفر مستحلها بالإجماع ، وأصل الخمر الستر ، لأنها تستر العقول ، قيل : كل ما أسكر من كل شراب حرام قليله وكثيره عند أكثر الفقهاء ، منهم الشافعي رحمه اللّه ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : لا يحرم إلا المتخذ من عصير العنب والرطب ونقيع الزبيب والتمر والقدر المسكر من كل شراب حالة الشرب « 7 » ، قال النبي عليه السّلام : « من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة » « 8 » ، والميسر مفعل من اليسر ضد العسر ، وهو قمار العرب ، سمي به لأن الإنسان يأخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير تعب ، قال علي رضي اللّه عنه : « النرد والشطرنج ميسر » « 9 » ، ويشير به إلى أنهما حرام ، وعن النبي عليه السّلام : « إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم » « 10 » ( وَإِثْمُهُما ) أي عقاب الإثم في تناولهما بعد التحريم ( أَكْبَرُ ) أي أعظم ( مِنْ نَفْعِهِما ) قبل التحريم ، وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار والطرب فيهما وغيرهما مما ذكر ( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) أي أي شيء يتصدقون من الأموال ( قُلِ الْعَفْوَ ) بالنصب أي ينفقون العفو ، أي الفضل عن قدر الحاجة لنفسه وعياله ، فكانوا يكتسبون وينفقون الفاضل عن الحاجة في عهد النبي عليه السّلام ، ثم نسخ بآية الزكاة « 11 » ، وقرئ بالرفع « 12 » على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي المنفق العفو ( كَذلِكَ ) أي مثل هذا التبيين ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ ) من الأمر والنهي ( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ 219 ] ) فتسعون فيما هو صلاحكم .

--> ( 1 ) « كبير » : قرأ الأخوان بالثاء المثلثة ، والباقون بالباء الموحدة . البدور الزاهرة ، 49 . ( 2 ) أخذ هذا المعنى عن الكشاف ، 1 / 127 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 285 - 286 . ( 3 ) النساء ( 4 ) ، 43 . ( 4 ) الكافرون ( 109 ) ، 4 . ( 5 ) المائدة ( 5 ) ، 90 . ( 6 ) المائدة ( 5 ) ، 91 . ( 7 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 203 ؛ والبغوي ، 1 / 282 - 284 ؛ والكشاف ، 1 / 126 - 127 . ( 8 ) رواه مسلم ، الأشربة ، 73 ؛ وأبو داود ، الأشربة ، 5 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 284 . ( 9 ) انظر البغوي ، 1 / 286 ؛ والكشاف ، 1 / 127 . ولم أعثر عليه بهذا اللفظ في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 10 ) أخرج نحوه أحمد بن حنبل ، 1 / 446 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 127 . ( 11 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 203 . ( 12 ) « العفو » : قرأ أبو عمرو برفع الواو والباقون بالنصب . البدور الزاهرة ، 49 .