أحمد بن محمود السيواسي

103

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

اليوم الثالث على الزوال عند أبي حنيفة ولا يجوز عندهم « 1 » ، قوله ( لِمَنِ اتَّقى ) خبر مبتدأ محذوف ، أي جواز التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن يتقي المناهي بعد انصرافه من الحج وإنما « 2 » خصه به ، لأنه هو المنتفع به دون من سواه ، ثم زاد في التحذير بقوله ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) [ 203 ] أي تجمعون فيجازيكم بأعمالكم ، لأنهم كانوا إذا رجعوا من حجهم تجترؤن على اللّه بالمعاصي فشدد في تحذيرهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 204 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) قوله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ) نزل حين جاء أخنس بن شريق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة وكان حلو الكلام ، حسن المنظر ، فاجر السريرة ، وقال : إنما جئت أريد الإسلام وقال اللّه يعلم أني صادق وأحبك فأعجب النبي عليه السّلام كلامه ، ثم خرج من عنده فمر بزرع ثقيف من المسلمين ، فأحرقه ليلا وأهلك مواشيهم ، لأنه كان بينه وبينهم عداوة فأخبر اللّه تعالى عنه بقوله ومن الناس من يسرك كلامه ويعظم في قلبك « 3 » ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي ما يقول لك في غرض المعيشة في الدنيا ، لأن ما ادعى من محبتك إنما هو لطلب حظ من الدنيا ، فيتعلق « 4 » الجار والمجرور بقوله المذكور « 5 » ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ) أي يقول اللّه شاهد على محبتك والإسلام في قلبي ، والواو للحال في ( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) [ 204 ] أي أشد الخصومة والعداوة للمسلمين ، ويجوز أن يكون الخصام جمع خصم ، أي ألد الخصوم خصومة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 205 ] وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) ( وَإِذا تَوَلَّى ) أي أدبر عنك ورجع ( سَعى فِي الْأَرْضِ ) أي مضى فيها بعمل المعاصي ( لِيُفْسِدَ فِيها ) أي ليظهر الظلم بسفك دماء المسلمين ( وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) بحرق الزروع « 6 » وعقر الدواب ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) [ 205 ] أي لا يرضى بعمل المعاصي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 206 ] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 ) ( وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ) أي خف من اللّه في صنعك السوء ( أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ) أي حملته حمية الجاهلية ملتبسة ( بِالْإِثْمِ ) الذي ينهى عنه ، يعني ألزمته نخوته وكبره وقوته ارتكاب الإثم لجاجا على رد قول الناصح والواعظ له ، قيل : من الذنوب التي لا يغفر أن يقال للرجل اتق اللّه ، فيقول عليك حسبك أو « 7 » عليك نفسك « 8 » ، يقول اللّه ( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) أي هي كافية له ( وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ) [ 206 ] أي الفراش والمقر ، فصارت الآية عامة لجميع الناس من المنافقين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ) أي يبيع ( نَفْسَهُ ) نزل فيمن يبذلها في الجهاد أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يقتل « 9 » ، وقيل : نزل في صهيب بن سنان أكرهه المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا معه ، فقال لهم أنا شيخ كبير أن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فخلوني وما أنا عليه ، أي من الإسلام وخذوا مالي فقبلوا منه ماله إلا مقدار راحلته ، وتوجه إلى المدينة فلما دخلها لقيه أبو بكر رضي اللّه عنه

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 121 . ( 2 ) وإنما ، ب د : فإنما ، م . ( 3 ) عن السدي ، انظر الواحدي ، 52 - 53 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 262 ( عن الكلبي ) . ( 4 ) فيتعلق ، ب م : فتعلق ، د . ( 5 ) المذكور ، ب د : - م . ( 6 ) الزروع ، ب م : الزرع ، د . ( 7 ) أو ، ب م : و ، د . ( 8 ) عن عبد اللّه بن مسعود ، انظر البغوي ، 1 / 264 . ( 9 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 122 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 54 .