أحمد بن محمود السيواسي

100

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

شَدِيدُ الْعِقابِ ) [ 196 ] إن خالفتم أمره تعالى ونهيه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 197 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) قوله ( الْحَجُّ ) أي وقت الحج ، مبتدأ ، خبره ( أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) وهي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر عند الشافعي وهما وعشر من ذي الحجة عند أبي حنيفة ، وقال مالك : جميع ذي الحجة مع الشهرين « 1 » ، فمن قال تسع أراد الأيام ، ومن قال عشر أراد الليالي ، وفائدة تعيين الحج بهذه الأشهر أن يعلم أن شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها ، والإحرم بالحج لا ينعقد أيضا عند الشافعي في غيرها وعند أبي حنيفة يجوز ويكره ، وإنما جمع الأشهر على القولين لإرادة الأوقات أو لأن أقل الجمع اثنان أو أخذ بعض الشهر بمنزلة كله ( فَمَنْ فَرَضَ ) أي أوجب على نفسه ( فِيهِنَّ الْحَجَّ ) بالإحرام والتلبية ( فَلا رَفَثَ ) أي الجماع ، لأنه يفسد الحج أو الفحش من القول ( وَلا فُسُوقَ ) أي الخروج من حدود الشرع بالمعصية ( وَلا جِدالَ ) أي المخاصمة مع الرفقاء ، أي الخلاف بينهم ( فِي الْحَجِّ ) بأن يقول البعض الحج اليوم والآخر يقول الحج غدا أو بأن يقول حجي أبر من حجك أو الخلاف مخالفة قريش بالوقوف المشعر الحرام سائر العرب ، فإنهم كانوا يقفون بعرفة فرفع « 2 » اللّه تلك المخالفة ، وإنما أمر باجتناب ذلك كله في الحج مع أنه واجب الاجتناب في الحج وغيره ، لأنه في الحج أشد استقباحا ، قرئ الأولان بالرفع والتنوين إخبارا بمعنى النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ، وبنصبهما بلا تنوين ونصب « جدال » نفيا « 3 » ، واستدل على أن المنهي عنه في الآية هو الرفث والفسوق لا الجدال بقوله عليه السّلام : « من حج للّه فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه » « 4 » ، قوله ( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ) أي من إحسان وطاعة ، حث على الخير عقيب النهي عن الشر ، يعني بأن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان الفسوق التقوى ومكان الجدال الوفاق ( يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) أي يقبله فياجزيكم به ، قوله ( وَتَزَوَّدُوا ) نزل فيمن كان يحج بلا زاد ويقول أنا متوكل وأنا أحج بيت اللّه أفلا تطمعونني فيكون كلا على الناس « 5 » ، أي تزودوا في سفركم للحج والعمرة ما يفيكم « 6 » من السؤال واتقوا الاستطعام من الناس ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) من سؤال الزاد أو ما يفيكم من السؤال وغيره من الطعام أو اجعلوا التقوى زاد الآخرة ، والطعام زاد الحج ( وَاتَّقُونِ ) أي خافوا عقابي ( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) [ 197 ] الذين قضيتهم تقوى اللّه ومن لم يتقه منهم فكأنه لا لب له . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) و نزل رخصة حين كان المسلمون يتأثمون من التجارة أيام الحج بعد نزول قوله تعالى « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ » « 7 » على تفسير أن لا يشوبهما شيء من التجارة « 8 » ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) أي إثم في موسم الحج ( أَنْ تَبْتَغُوا ) أي لأن تطلبوا أو في أن تقصدوا ( فَضْلًا ) أي رزقا وهو الربح في التجارة ( مِنْ رَبِّكُمْ ) في أيام الحج ( فَإِذا أَفَضْتُمْ ) أي رجعتم أنفسكم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة ، يعني رجعتم ( مِنْ عَرَفاتٍ ) أي من الموقوف بها « 9 »

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 118 . ( 2 ) فرفع ، ب د : فرفعه ، م . ( 3 ) « فلا رفث ولا فسوق ولا جدال » : قرأ المكي والبصريان برفع الثاء والقاف مع التنوين ، ووافقهم أبو جعفر ، وانفرد بتنوين « جدال » مع الرفع ، والباقون بالفتح بلا تنوين في الثلاث . البدور الزاهرة ، 47 . ( 4 ) أخرجه البخاري ، الحج ، 4 ، والمحصر ، 9 ، 10 ؛ ومسلم ، الحج ، 438 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 251 . ( 5 ) نقله عن الكشاف ، 1 / 119 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 50 ( عن ابن عباس ) ؛ والبغوي ، 1 / 252 . ( 6 ) يفيكم ، م : يقيكم ، ب د . ( 7 ) البقرة ( 2 ) : 196 . ( 8 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 193 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 51 ( عن ابن عباس ) . ( 9 ) أي من الموقوف بها ، ب د : - م .