علي بن أحمد المهائمي
21
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
الأنهار تجرى من تحتك ودرجاتهم ( جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) من الماء والعسل واللبن والخمر مع أنه لا خلود لك بمصر ويكونون ( خالِدِينَ فِيها وَ ) نحن نرجو ان يحصل لنا ذلك وان لم نعمل الصالحات لان ( ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ) بتلك الاعمال وقد حصل لنا ذلك بهذا الصبر ولم يمكننا الأعمال الصالحة مع أن هذه التزكية داعية إليها ميسرة لها فكأنها حصلت ( وَ ) كيف لا يكون للتزكية ذلك وقد كان من أثر الايمان الانجاء بطريق كرامة الوحي مع ظهور المعجزة فانا ( لَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ) اخفاء على أعدائهم وإذا ظهر لهم ومنع البحر من العبور ( فَاضْرِبْ ) بعصاك البحر لنجعل ( لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ ) ايماء لهم إلى أنه لا بد في الوصول إلى الحق من عبور بحر المعرفة ( يَبَساً ) لا تزل فيه الاقدام ومع يبسه ( لا تَخافُ ) من العدوّ ( دَرَكاً ) في وسط البحر ( وَلا تَخْشى ) منهم العبور فضرب فسلكوه ( فَأَتْبَعَهُمْ ) على الفور في دخول البحر اغترارا بكونه طريقا يبسا ( فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ) مع علمه بكونه معجزة لعدوّه يخاف عليه الانعكاس ( فَغَشِيَهُمْ ) أي غطاهم ( مِنَ الْيَمِّ ) اى البحر المملوء ماء ( ما غَشِيَهُمْ ) من الغشاء الكلى الذي لا يمكنهم التنفس فيه ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ ) قبل دخول البحر بأن قال انشق لي البحر لأدرك عبيدي ( وَما هَدى ) حين أدركه الغرق إذ لم يعلمهم بايمانه لأنهم لو اجتمعوا على الايمان في ذلك الوقت ربما أنجاهم منه وكان هذا الاغراق هو الانجاء الكلى لبنى إسرائيل لذلك قال ( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) ناداهم ليقبلوا على شكر الانجاء الكلى ( قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ) بالاخراج من بلدهم من غير أن يكون لهم خبر أولا وبعبوركم البحر وبمنعهم عن درككم وباغراقهم ( وَ ) أنجيناكم عن القصور في القوّة النظرية والعملية إذ ( واعَدْناكُمْ ) انزال التوراة حين صعودكم ( جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ) ليشير إلى أن النجاة عن القصور انما تكون بالصعود عن البشرية وبالتمسك بالقوّة الإلهية ( وَ ) نجيناكم حين ابتليناكم بالتيه من شدائده إذ ( نَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ) وانما كان انجاء إذ لم يكن ابتلاء بمنع الاكل بل قلنا لهم ( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) ليدفع طيبه شدة الابتلاء ( وَلا تَطْغَوْا ) بدعوى الولاية ( فِيهِ ) أي في هذا الابتلاء بحصول الكرامة لكم ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) برؤيتكم مكان الغضب مكان الكرامة ( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ) أي سقط من عيني فلا يفيده ما يعمل بعد ( وَ ) لكن هذا لا يوجب اليأس ( إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ) عن موجب الغضب ( وَ ) يكفى فيه ان ( آمَنَ وَ ) قوى ايمانه بأن ( عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) بأن لم يأمن مكره ولم ييأس من روحه ولم يعجب بعمله ولم يدع الولاية والكرامة لنفسه ( وَ ) لما كان كمال الاهتداء بالاهداء لم يكن التسابق على الاتباع من كمال هذا الاهتداء لذلك قال تعالى ( ما أَعْجَلَكَ ) أي ما دعاك إلى العجلة بالتقدم ( عَنْ قَوْمِكَ ) الذين أرادوا كمال متابعتك ( يا مُوسى ) المبعوث لتكميلهم وهو بادراك حالك معنا أتم وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور ثم تقدمهم ( قالَ هُمْ ) وان غابوا لم يبعدوا عنى إذ صح في حقهم أن يقال ( أُولاءِ ) وهو الإشارة إلى القريب ولم يتخلفوا عن متابعتي لأنهم ( عَلى أَثَرِي وَ ) لكن