علي بن أحمد المهائمي
17
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
ويطلق على سببه مجازا كالبرد والافعال المذمومة والاخلاق الرديئة والآلام والغموم فالبرد من حيث هو كيفية وبالقياس إلى سببه ليس بشر وانما عرض له من حيث افساده أمزجة الثمار فالشر بالذات فقد الثمار كمالاتها والظلم والزنا ليسا بشر من حيث صدورهما عن الغضبية والشهوية وانما عرض لهما بالقياس إلى المظلوم وإلى السياسة المدنية أو إلى النفس الناطقة الضعيفة عن ضبط القوّتين والاخلاق والآلام ليستا بشر ورمن حيث هي ادراكات الأمور وانما هي شرور بالنظر إلى فقدان أحد تلك الأشياء كماله فهو الشر بالذات ( قال ) الامام حجة الاسلام في المقصد الأقصى انما أراد الخير لذاته والشر للخير في ضمنه لذلك قال سبقت رحمتي غضبى فان خطر لك شر لا ترى تحته خيرا أو امكان تحصيل ذلك الخير بدون ذلك الشر فاتهم عقلك فليس كل محال يدرك استحالته بالبديهة أو بالنظر القريب ثم رحمة اللّه أكمل لأنه جواد يفيد ما ينبغي لا لعوض كالثواب والثناء ولا لغرض كإزالة الرقة وحب المال والعبد لا يخلو من أحدهما مع أنه انما يعطى بداعية من اللّه فهو الراحم بالحقيقة ثم انما ينتفع بعطائه إذا سلم اللّه قواه على أن عطاءه يوجب التذلل له وهو ذلة والتذلل للّه عزة ثم اشتق منها صيغتا مبالغة وهما الرحمن الرحيم والاوّل أبلغ لكثرة حروفه فخص باللّه لا بطريق العلمية لجريانه وصفا فكفر من أطلقه على غير اللّه ومبالغته اما بالكمية لكثرة افراد الرحمة الايجادية حتى يدخل فيها الشرور سيما من حيث تضمنها اللطف أو افراد المرحوم أو بالكيفية بتخصيصه بالجلائل « 3 » والمستمرة وتقديم اسم اللّه لكونه علما ثم الرحمن لأنه مثله في الاختصاص والرحيم ان خص بالرحمة الخاصة ففيه ترق أو بالدقائق فتتميم وهو تخصيص بعد التعميم فيهما وان عم فهو تتميم من وجه ترق من وجه وهو تعميم بعد التخصيص فيهما وذكرهما بعد اسم اللّه تعالى ان تناول الأسماء للتفصيل بعد الاجمال مع التخصيص بعد التعميم ثم مع كونهما للمبالغة بولغ فيهما بالتجوّز باطلاق السبب على المسبب أو الملزوم على اللازم ففيه ايهام الجمع بين المثلين وتعلق الاستعاذة بالرحمن على تقدير كونه لكثرة الرحمة الايجادية انه وان أوجد العدوّ من رحمته به وسلطه من رحمته بالتسلط فمن رحمته على المستعيذ أن تلطف به بقهر عدوّه ومنع تسلطه عنه وعلى اعتبار كونه للطف في فمن القهر أن تلطف بالمستعيذ بتوفيقه لمجاهدة من ابتلى به وعلى تقدير كونه لكثرة افراد المرحوم ان من عمت رحمته الكل حتى أمهل الشيطان حقه أن يرحم المستعيذ به بدفع شر عدوّه عنه وعلى تقدير كونه لجلائل النعم أن حقه أن يجل رحمته للمستعيذ به بقهر عدوّه بالكلية واثابته على مجاهدته وعلى تقدير كونه لاستمرار النعم ان حقه أن يبقى على المستعيذ به ما أنعم عليه من العبادة وأما تعلقها بالرحيم فعلى تقدير خصوصه بالرحمة الخاصة أن حقه أن يخصص المستعيذ بتلك الرحمة بدفع شر العدوّ عنه أو بالدقائق أن من حقه أن يعيذه من وسواسه وعلى تقدير عمومه أن حقه أن لا يخلى المستعيذ به عن رحمة تمنعه عما استعاذ منه وأما تعلق الحمد به فظاهر الا على ايجاد الشرور فهو انه يرفع بها الدرجات إذ ينال بها الصبر الذي لا نهاية لاجره
--> ( 3 ) تبصير