ابن عرفة

61

تفسير ابن عرفة

يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ سورة النساء : 48 ] ، وإما أن نقول هذه الآية في الكفار وليست في العصاة . قوله تعالى : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . الزمخشري : ما معناه أن ذلك كيف قال : بِظَلَّامٍ ، ولم يقل : بظالم مع أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ؟ ثم أجاب بوجهين : الأول : أن الظلم باعتبار التعلق ، فيقال : ما زيد بظالم لغيره لأنه عبد واحد ، وما زيد بظلام لعبيده ، فتبالغ في النفي لأنهم عبيد كثيرون ، فالمبالغة باعتبار المتعلق ، انتهى ، يلزم عليه سبب النفي المفهوم وهو أن لا يكون ظالما لمجموع عبيده فيكون ظالما لبعضهم . قال : الجواب الثاني : أن الكبير العظيم من الناس إذا اتصف بقليل الذم فهو في حقه عظيم ، فلو تصور الظاهر من اللّه تعالى لما كان عظيما ، قال الشاعر : العيب في العالم المحقور محقور * وفي ذوي الشرف المشهور منشور كفوقة الظفر تخفى من حقارتها * ومثلها في سواد العين مشهور انتهى . وقال امرئ القيس : يغطّ غطيط البكر شدّ خناقه * ليقتلني والمرء ليس بقتال معناه : لا يقدر على قتلي إلا من هو قتال لا من هو قاتل ، فلا يقتلني إلا من اتصف بأبلغ القتل وأعلى درجاته ، وهذا الذي يطمع نفسه بقتلي لم يبلغ إلى أن يوصف بقتال . وقال الآمدي في شرح الجزولية : فإن قيل : يظهر من قوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أن فعالا ليس للمبالغة إذ لو كان كذلك لاقتضى مفهومه إثبات قليل الظلم ، فالجواب : أن التكثير في الفعل على وجهين : أحدهما : أن يكون المفعول جماعة ، تقول : جرحت الزيدين ولم يتكرر الفعل في كل واحد ، والآية من هذا والمراد من أن تكون كررته في المفعول ، تقول : جرحت زيدا ، ولما خفي هذا على الحريري . قال في درة الفؤاد : له الصفة المذمومة قليلها في حق العظيم كثير ، كقوله : العيب في العالم المحقور محقور ، والصحيح ما تقدم ، انتهى ، بل الصحيح ما قال الحريري