ابن عرفة
58
تفسير ابن عرفة
الثاني : إن هذا السؤال إنما يرد على تفسير الزمخشري حيث جعل ما مصدرية فيعود الضمير في به على الإنسان ، ولنا أن نجعلها موصولة بمعنى الذي والضمير في به عائد عليها ، والتقدير ويعلم الشيء الذي توسوسه به فنفسه أي الذي تتحدث به نفسه ، ويكون المراد الخواطر التي يخطر للنفس أو يراد بالنفس الشهوة ، وإنها توسوس العقل عند المتكلمين علوم ضرورية فلا يقبل أن يخاطب النفس ، وفي سورة طه : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [ سورة طه : 7 ] فالسر أظهر من الوسوسة لأنه كلام النفس أو كلام اللسان سرا ، والوسوسة ما في القلب فيحتمل أن تكون الوسوسة هي المرادة من السر ، أو يكون الأول الجهر ، والثاني : دونه وهو السر ، والثالث أخفى منهما وهو الوسوسة . قوله تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . تنبيه على كمال تعلق علم اللّه تعالى بجميع الكائنات وإنك كما تفهم علم الواحد منا بأحوال من هو في المسافة منه بمنزلة حَبْلِ الْوَرِيدِ الذي هو في عنقك ، كذلك وينبغي أن يعتقد في علم اللّه تعالى . فإن قلت : القرب بالنسبة إلى اللّه تعالى مجاز وفي حَبْلِ الْوَرِيدِ حقيقة فيلزم عليه استعمال اللفظة الواحدة في حقيقتها ومجازه ، وهو ممتنع عند الأصوليين نص عليه الفخر ، وابن التلمساني في المسألة الخامسة من الباب الأول ، قلت : في الكلام حذف مضاف أي من قرب حَبْلِ الْوَرِيدِ فيكون القرب المضمر حقيقة والمظهر مجازا . قوله تعالى : إِذْ يَتَلَقَّى . الزمخشري : العامل فيه أقرب لأن معاني الأفعال قد تعمل ، انتهى ، وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح خلافا عمل أفعل من ذكر ذلك ، في قوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ سورة الأنعام : 124 ] . ابن عطية : ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرا أي ذكر إِذْ يَتَلَقَّى ، قال : ويحسن هذا لأنه أخبر خبرا مجردا بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك ، فلما تم الإخبار أخبر بذلك الأحوال التي تصدّق هذا الخبر ، فمنها إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان ، ومنها مجيء سكرة الموت والنفخ في الصور ، ومجيء كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ انتهى . وهو حسن لأنه إذا كان يعلم الوسوسة حين التلقي فيكون نفيا لما يتوهم من أنه إنما يتصل إلى علم ذلك من جهة الملائكة الحفظة فإذا