ابن عرفة

349

تفسير ابن عرفة

وعدم إعطائه المال ، فأحرى أن يذموا على دفعه بعنف وضربه ؛ لأن يدع بالتشديد يقتضي الدفع بعنف . قوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ . عبر بالفعل المقتضي للتقاطع والتجدد شيئا بعد شيء ؛ لأن المراءات إنما يكون للناس الناظرين له ، وهؤلاء يلامون أو يلاقون التكلف في كل الأوقات بل في أقلها ؛ لأنه في الليل وفي بعض النهار في داره لا يراه أحد ، بخلاف ساهُونَ فإن ترك الصلاة ملازم له فلذلك عبر فيه بالاسم فهذا مفاعلة . قال الزمخشري : فالمراد في الناس عمله وهم يرون الثناء عليه والإعجاب به ، قيل لابن عرفة : أما ذم الذي يرائي الناس عليه فظاهر ، وأما ذم القاصر الذي يثنون عليه فمشكل وظاهر المفاعلة ترتب الذم على الجميع ، فأجيب بوجهين : إما بأن المفاعلة تستلزم ذم الفاعل لا ذم المفعول له كقوله " من قاتل عليا فهو مذموم " ولا يلزم منه طائفة على الذين من حزبه ونفر الذي يضارب زيد فلا يلزم مجيء زيد . الثاني : أن يقول الذم يتناول من يثني على المرائي ويشكره ويشكوه وهو يعلم أنه مرائي في عمله وعبادته ، أما من يثني عليه وهو يظن أنه مخلص في عبادته فلا ذم عليه ، قيل لابن عرفة : والمرائي مذموم مطلقا سواء أثنى عليه أحد وتعجب من عمله أو لم يثن ؛ لأن الذم إنما هو على قصده ونيته ، قال ابن عطية : أن يثني عليه فلذلك كانت مفاعلة ، [ . . . ] الأجزاء المراءاة حقيقة إنما هي بالفعل وفي المعنى المقصود ولم يتصفا هنا من ذلك إلا أنهما اتفقا في نفس القصد لا في المعنى المقصود ، انتهى ، قلت : وتقدم لنا عند ابن عرفة في المتمة الأولى في هذه الصورة ما نصه : الكذب عبارة عن عدم مطابقة الخبر مدلوله ويستعمل في الماضي والمستقبل خلافا لابن قتيبة فإن الخبر بالمستقبل غير المطابق [ . . . . . ] خلفا ، وهذه الآية رد عليه ؛ لأن الذي هو المجازات بالثواب والعقاب في يوم القيامة ، وإنما قال : يكذب بلفظ المضارع ، ولم يقل : كذب ؛ لأن فعل الحال يؤتى به عند تعظيم الأمر وتهويله فيقتضي ذلك الشيء في الذهن حتى كأنه كالحاضر بين يدي المخبر به ، قال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ سورة الحج : 63 ] ولم يقل : فأصبحت ، وقال هنا : يكذب بقبح مقالته وعظمها . قوله تعالى : عَنْ صَلاتِهِمْ .