ابن عرفة

253

تفسير ابن عرفة

يحتمل أن يراد بالأول : طاعتهم له في اجتناب ما نهاهم عنه ، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، وبالثاني : طاعتهم في فعل يأمرهم به ، وقال الفخر في المحصول : إن قال قائل : إن قوله وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، تكرار فالجواب : أن الأول : ماض ، والثاني : مستقبل أي لا يعصونه فيما أمرهم في الماضي ، وهو في الحال وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ، ورده عليه القرافي : بأن لا إنما تنفي المستقبل ، فالأول مستقبل ، والثاني كذلك ، ويجاب : بأن الأول إخبار عن عدم عصيانهم فيما سيؤمرون به في المستقبل ، ولم يقع منهم عصيان لما أمروا به ، وهم من شأنهم أن لا يعصون فيما سيأمرهم به . قوله تعالى : لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . إن قلت : ما وجه المناسبة بين هاتين الجملتين مع أن المبادر للفهم أن يقال : لا يظلمون اليوم ، فالجواب : أن العفو هو ترك المؤاخذة بالذين [ . . . . . ] موجبا ، والمعذرة هي إلقاء كلمة تمهيدا لرجاء عدم المؤاخذة بالذنب لعدم مزجها ، فالمراد أنا لم نخركم إلا بما كسبتم وجنيتم ، وجواب أخير : وهو أن المعذرة تارة تكون لإسقاط المؤاخذة ، وإما تارة تكون لتخفيف العقوبة ، فالآية كأنها أتت على قسم ثالث ، وهو ليس بتخفيف ، حتى ما جاز على بعض الذنب ولا الإسقاط بل على العمل فقط ، ويصح أن الوقف على لا تعتذروا ويتعلق اليوم بما بعده . قوله تعالى : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ . جعله المفسرون يوم متعلقا بيدخلكم ، والأولى أن يكون العامل فيه أذكر مقدر ، فإن قلت : الإضمار على خلاف الأصل ، قلت : فيه سلامة الآية من التكرار المعنوي ، لأن قوله عَسى رَبُّكُمْ ، إلى آخره ملزوم لنفي الخزي ، وقد شرح به ثانية فيؤول إلى قولنا عَسى رَبُّكُمْ ، أن لا يجزيكم واحتج بها المعتزلة على أن القاضي مخلد في نار جهنم بعد الجمع بينهما وبين قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [ سورة آل عمران : 192 ] ، حسبما قرره ابن الحاجب ووجه الدليل أن يقال : كل من دخل النار مخزي بآية آل عمران ولا شيء من [ 79 / 391 ] المؤمنين مخزي عملا بهذه الآية فلا شيء ممن يدخل النار بمؤمن ، ثم تنعكس [ . . . ] فتقول لا شيء من المؤمن بداخل النار ، وأجاب الشيرازي وغيره بوجهين : أحدهما : أن المراد بالذين آمنوا معه الصحابة فقط . والثاني : أن الذين معه مستأنف ، وليس معطوفا على ما قبله بوجه ، ويجاب أيضا بوجه ثالث : وهو أن الخزي مقيد بذلك اليوم ، فيكون ذلك اليوم هو وقت دخولهم الجنة ، فإنهم غير مجزين حينئذ ، وأما قبل ذلك حين دخولهم النار فهو يوم آخر .