ابن عرفة

240

تفسير ابن عرفة

قوله تعالى : يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ . هذان معلقان على مجموع الإيمان والعمل ، ولا يصح أن يكون كل واحد من فعلي الشرط يترتب عليه كل من جوزي ، الجواب : لأن الشرطية لا تتعدد بتعدد المقدم ، والتكفير مخصوص بحقوق الغير إذ لا ينفع التوبة إن [ . . . ] العمل الصالح ، أبو عبد اللّه محمد بن محمد : فأما وظاهره أن التكفير متوقف على الأمرين ، فيكون تكفيرا خاصا ، قال شيخنا : وفسره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن سلامه الأنصاري : العمل الصالح بفضل السين ، وهو غفلة منه ، لأن هذا هو مذهب المعتزلة لأنهم يشترطون في الإيمان فعل المفروضات من الطاعة . فمن لم يفعلها ليس بمؤمن عندهم فيكون عطف ، ويعمل صالحا عليه عندهم تأكيدا ، فيحتاجوا أن يفسروا العمل الصالح بفعل المسنونات ، ونحن نقول : إن الإيمان حاصل بمجرد النطق بالشهادتين والعمل الصالح قدروا عليه والأول ترهيب ، وهذا ترغيب . قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا . التكذيب بالآيات من لوازم الكفر بخلاف العمل الصالح ، فإنه ليس من لوازم الإيمان ، فيرد السؤال لأي شيء رتب دخول الجنة وتكفير السيئات على الإيمان والعمل الصالح ، ودخول النار على مجرد الكفر فقط ، فيجاب : بأن الأول ترغيب في الطاعة فناسب تكثير أسباب دخول الجنة تحريضا على فعلها ، والثاني : ترهيب وتخويف فناسب تقليل السبب على سبيل التحريف والتغير عنه ، والمعنى أن مجرد الكفر موجب لدخول النار ، وإن لم يكن معه فسوق ولا فساد في الأرض ولا ظلم ، فيقال للمؤمن : لا نكتف بإيمانك ، وللكافر لا نعتقد أن مجرد كفرك لا يضرك ، فإن قلت : لم عبر في وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالمضارع ، وفي وَالَّذِينَ كَفَرُوا بالماضي ، فالجواب : أنه إشارة إلى أن ذلك خاص لمن سيحصل منه الإيمان إلى قيام الساعة ، والإيمان وصف طرأ على الكفر ، والكفر هو الأصل فيهم ، لأنه أمر واقع منهم حاصل لهم والإيمان طرأ عليه ، وعبر في الأول : بمن الشرطية ، وفي الثاني : بالموصول ، لأن الموصول أقرب للحصول من الشرطية ، فإن قلت : لم قيد دخول المؤمنين بالأبدية ولم يقيد خلود الكافرين بها ، مع أنه مؤبد ، وكذلك قال في سورة هود فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [ سورة هود : 106 ] ، الآية وزاد في أصل عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، أي دائما غير منقطع عنهم ، فالجواب : أنه زاد هنا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فناب مناب الأبدية ، لأنه لا يقال : بئس المصير ، بالإطلاق إلا فيما هو أسوء المصير وآمنا به ، وأسند تكفير السيئات ، وإدخال الجنات إليه ، ولم يسند إليه إدخال الكافرين النار ، فلم