ابن عرفة

171

تفسير ابن عرفة

قوله تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ . وفي سورة النساء مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها [ سورة النساء : 85 ] فجعل النصيب جزاء عن الحسنة ، والكفل جزاء عن السيئة ، وهنا جعله في جزاء السيئة ، والجواب : أن الجمع بين الآيتين ينتج أن الكفل أعم يصدق على جزاء السيئة ، وجزاء الحسنة ، والنصيب خاص بجزاء الحسنة ، ومن في رحمته إن كانت للسبب فالرحمة بمعنى الإرادة ، أي ينبئكم عليه ، بسبب إزادته ذلك ، وإن كانت للتبعيض فالرحمة راجعة لصفة الفعل . قوله تعالى : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً . إن قلت : دفع المؤلم أكد من جلب الملائم ، وإيتاء الرحمة وجعل النور أمر ملائم ، والمغفرة من باب دفع المؤلم ، فهلا قدمت ؟ فالجواب : أنه من عطف الترقي . قوله تعالى : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . إن قلت : الرحمة سبب ، فهلا قدمت عليها ؟ قلت : المغفرة راجعة لدفع المؤلم ، والرحمة لجلب الملائم فلذلك أخرت ، وقال السماكي : لأن المغفرة سلامة ، والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل [ 75 / 370 ] الغنيمة ، ثم قال : فإن قلت : لم ذكر في سبأ في قوله تعالى : وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [ سورة سبأ : 2 ] ، فأجاب : بأن ذلك منتظما في تعداد الخلق من المكلفين ، وغيرهم ، فالرحمة تشمل لهم جميعا ، والمغفرة تخص بعضا دون بعض ، والعموم قبل الخصوص . قوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ . إن قلت : فيها حجة على المعتزلة في قولهم : إن العبد يخلق أفعاله ، قلت : لا دليل فيها لوجهين : الأول : اتفاقا على أن قدرة العبد قاصرة عليه ، ولا تعرف له في قدرة غيره ، والقدرة هنا منسوبة لله تعالى ، أي هم عاجزون عن كل ما تفضل اللّه به . الثاني : أن المراد من قوله مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، الحكم بالشيء من ثواب عقاب ونصرة ، وغير ذلك ، فيكون أمرا حكيما لا أنه فعل وجودي ، فإن قلت : فيها دليل على أن أهل الكتاب عناد لاقتضاء أنهم سيعلمون بنصرة المؤمنين عليهم عجز به عن