ابن عرفة
144
تفسير ابن عرفة
الفاء للتعقيب ، وهذا احتراس ، فإن الأكل من الشيء القبيح لا يستقبح منه ما قل ، باعتبار العادة ، إذ قد يكون في الدنيا للتداوي والاستكثار من ذلك غير معهود ، فإن قلت : لم قال : البطون ، ولم يقل بطونكم ؟ قلت : إشارة إلى أنهم لا يأكلون في بطونهم المعهودة ، بل في بطون أخر ، لحديث " يعظم خلق الكافر في جهنم " ، وجواب الفخر بحديث : " أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء ، والمؤمن يأكل في معي واحد " « 1 » ، يرد بأن الحالة في هذه الدنيا والآخرة ، ويجاب أيضا : بجواب آخر ، وهو إشارة إلى أنهم لا يراعون أنها بطونهم ، فيتحفظون عليها من كثرة الأكل بل يرضونها ويحثونها ، ولا يتحفظون عليها ، ويتركون فيها فراغا للنفس ، حتى كان بطون غيرهم ، وفي سورة الصافات نظير هذه الآية وتقدم الكلام فيها . قوله تعالى : فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ . يحتمل أن يراد التصديق الأصلي ، أو المنطقي ، فالأصلي من أقسام الخبر ، لأنه هو الخبر المطابق ، والمنطقي هو الحكم على الماهية بنفي أو إثبات ، وهو ضد التصور ، فإن أريد تصديقهم بمقتضى هذا الخبر ، وهو نحن خلقناكم فهو الأصلي كما تصدق زيدا في قوله : قام عمرو فإن أريد اعتقادهم أن لا فاعل إلا الله فهو المنطقي ، وهو أمر عقلي ، والأول سمعي ، ولولا للتخصيص ، وذكر ابن بابشاذ وفي مقدمته أنها مع العاصي للتوبيخ ، وجعلها ابن عطية : للتفريع والتقرير . قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ . قيل : المراد به آدم عليه السّلام ، لأنه خلق من تراب فالاستدلال به على جواز الإعادة أقوى بالاستدلال من خلقنا نحن من النطفة ، رد بأن خلق غير آدم عن عدم صرف فهو أقوى في الاستدلال مما خلق عن وجود . قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه حديث رقم : 3843 ، والترمذي في جامعه حديث رقم : 1736 ، والنسائي في السنن الكبرى حديث رقم : 6535 ، وابن ماجة في سننه حديث رقم : 3256 ، وإسحاق بن راهويه في مسنده حديث رقم : 175 ، والطبراني في المعجم الأوسط حديث رقم : 4018 ، 1844 ، 1775 ، 9583 ، وأحمد بن حنبل في مسنده حديث رقم : 26155 ، 8018 ، 14896 ، 14531 ، 26513 .