ابن عرفة
138
تفسير ابن عرفة
هذا يعبر عنه البيانيون ، لأنه من باب نفي الشيء بإيجابه ، مثل " على لاحب لا يهتدى بمناره ، وأن شئت قلت في العبارة : أنه من باب نفي الشيء نفي [ 73 / 361 ] لازمة ، والمعنى واحد لأن قوله لا يهتدى بمناره ، يوهم في الظاهر أن له منار ، أو كذلك قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ، يوهم أن فيها لغوا وتأثيما غير مسموع لهم ، والمقصود أنه ليس هو فيها بالأصالة ، وفي سورة الطور لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [ سورة الطور : 23 ] ، فلا يقال : لا يلزم من نفي السماع نفي الوقوع ، وذكر عدم السماع ، لأن ما بعده وهو سماع السّلام ، وهذا كقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [ سورة المائدة : 96 ] ، فيقال : ما أفاد ذكر السيارة مع دخولهم في مدلول لكم ؟ فيجاب : بأنه ذكر لأجل ما بعده من ذكر ، ولما كان السيارة بفرضيته الترخص والتخفيف عليهم نص عليها مع دخولهم في قوله تعالى : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ [ سورة المائدة : 96 ] ، واللغو أعم من التأثيم ، لأنه قد لا يكون فيه إثم فقدم عليه كما قدم في قوله تعالى : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ سورة الكهف : 49 ] ، وقوله تعالى : يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ سورة الأنعام : 3 ] ، لأفاد المساواة بين اللغو والتأثيم أو ليدل الكلام مرتين بالمطابقة والالتزام . قوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ . كررها في أول السورة وهنا ، فهو إما أجمل أولا وفصل هذا ، وذكره أولا من حيث الإجمال ، وهنا من حيث الجزء المرتب عليه ، والمراد أما من يأخذ كتابه بيمينه ، أو أصحاب اليمين محلهم عن يمين العرش ، والأول أظهر ، وقال عياض في الإكمال في كتاب الإمارة في حديث : " المقسطون عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن « 1 » " ، قال المفسرون : أصحاب اليمين أصحاب المنزلة الرفيعة ، وقيل : يسلك بهم يمينا إلى الجنة ، وقيل : لأن الجنة عن يمين الناس ، وقيل : سموا بذلك ، لأنهم ما يبين على أنفسهم ، وبعده أصحاب الشمال ، وقيل : لأن أودعهم أول الخلق جانب آدم ، واليمين ، وبعده أصحاب الشمال ، انتهى ، والمناسب حمله على مطلق الصحة ليتناول الملازم من باب أحرى ، وذكر السدر إما لما قالوه : أن بعض الناس يتمنى أن
--> ( 1 ) أخرجه عبد اللّه بن المبارك في الزهد والرقائق حديث رقم : 1461 ، والحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة حديث رقم : 2473 ، وفي معالم التتريل حديث رقم : 391 ، وابن زنجويه في الأموال حديث رقم : 11 ، وابن حبان في صحيحه حديث رقم : 4575 .