ابن عرفة

124

تفسير ابن عرفة

الأول : السؤال ما يرد إلا على قول من يقول : إن الموجود مشترك بين الجميع ، وليس هو غير الموجود ، وأما على القول بأن الوجود عين الموجود ، فيكون لكل واحد وجود مفرد يخصه ، فتعددت الوجودات فهي حينئذ [ . . . ] متعددة ، وهو الصحيح . الجواب الثاني : أنه من عليه بنعمة الإيجاد ، ونعمة كيفية الإيجاد ، قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ سورة التين : 4 ] ، إذا كان قائلا على أن يخلق على صورة حمار ، قال ابن عرفة : وكرر هذا اللفظ في هذه السورة لأمرين : إما لأن كل واحدة نعمة راجعة لما قبلها ، فهي تأسيس لا تأكيد ، وإما بأنها تأكيد كذا قال ابن عطية ، وقال القرافي في شرح المحصول في اللغات ، قال الشيخ عز الدين بن عبد السّلام : أجمع الأدباء على أن التأكيد ، لا يكون أكثر من ثلاث مرات ، وقال في شرح [ . . . ] اتفقوا على كذا ، ولم يقيده بالأدباء . وقال ابن عرفة : إنما ذلك في المتواليات ، وأما حيث يقع الفصل فيحسن تكرار التأكيد خشية نسيان المخاطب ، وذهوله بالفاصل عن استحضار مدلوله التأكيد ، قال : فما ورد في سورة الرحمن ، إنما هو تأسيس لا تأكيد ، قلت : وقال ابن السيد : في سؤالته ، وأما قوله في آخر كل آية من هذه السورة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ، فاعترضه الملحدون بأن الآلاء النعم ، فكان يجب أن لا يذكر إلا بعد ما فيه نعمة مع أنها ذكرت بعد قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ ، قال : والجواب عنه : أن من أنذرك وخوفك من عاقبة ما تصير إليه فقد أنعم عليك ألا تراه ، قال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ سورة الأنبياء : 107 ] ، وقد علمنا أنه [ . . . ] لمن آمن ، وقدم لمن كفر فحصل الإنذار رحمة كما جعل البشير ، وكذلك قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ سورة الرحمن : 26 ] . وقوله تعالى : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ، فيه إنعام على الخلق ، حين علمهم ما كانوا يجهلونه ، وحذرهم ما يمرون إليه ، وقد جعل اللّه التحذير مرادفة ، بقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ سورة آل عمران : 30 ] ، انتهى . قوله تعالى : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ . قال ابن عطية : قال مجاهد : ما له شراع فهو من المنشآت ، وما ليس له شراع فليس من المنشآت ، قال ابن عرفة : الشراع القلع ، وما يشبه الأعلام ، إلا إذا كانت بالقلاع ، فيظهر من بعيد كالجبل ، وحينئذ فيكون فيها كمال الاتعاظ ، وأفاد أن هذا