ابراهيم بن عمر البقاعي

8

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهدا وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن اللّه تعالى يقول : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . ولما كان التقدير : فكان منه سبحانه المبدأ ، عطف عليه قوله : وَإِلَيْهِ أي وحده الْمَصِيرُ * أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة ، ومن كان قد أفسدها فجعل روحه نفسا بما طبعها به من حيث جسده أدخله النار ، وفي الدنيا أيضا بانفراده بالتدبير ، فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد ، لا ما يريد ذلك المريد الفاعل . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 4 إلى 5 ] يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 4 ) أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده ، لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها ، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال : يَعْلَمُ أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها ما أي الذي أو كل شيء فِي السَّماواتِ كلها . ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلا للاعتقاد ، والتحلي بحلية أهل السداد ، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال : وَالْأَرْضِ ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف ، وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب ، قال مؤكدا بإعادة العامل : وَيَعْلَمُ أي على سبيل الاستمرار ما تُسِرُّونَ أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد . ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها ، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال : وَما تُعْلِنُونَ من الكليات والجزئيات خلافا لمن يقول : يعلم الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها ، من فلسفي وغيره ، ولمن يقول : يعلم الكليات خاصة . ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور ، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها ، قال مصرحا بها إشارة إلى دقة أمرها مظهرا موضع الإضمار تعظيما : وَاللَّهُ أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال عَلِيمٌ أي بالغ العلم بِذاتِ أي صاحبة الصُّدُورِ * من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج