ابراهيم بن عمر البقاعي

60

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

قوله صلّى اللّه عليه وسلّم كما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي اللّه عنه : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام » « 1 » ومع مقارنتها لها في الكمال ، فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق ، فلم يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعا بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار اللاتي يعطيهما لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فأحسنت الأدب في نفسها مع اللّه ومع سائر من لزمها الأدب معه من عباده فأحسن إليها رعاية لها على ما وفقها إليه من الإحسان ، وذلك رعاية لأسلافها إذ كانوا من أعظم الأحباب فقال : وَمَرْيَمَ أي وضرب اللّه مثلا لأهل الانفراد والعزلة من الذين آمنوا مريم ابْنَتَ عِمْرانَ أي أحد الأحباب ، وذكر وجه الشبه فقال : الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في الجنة جزاء لها بخير عبادنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم الأنبياء وإمام المرسلين . ولما اغتنت بأنسها بروح اللّه الذي بثه في قلبها من محبة الذكر والعبادة عن الأنس بأرواح الناس ، كان ذلك سببا لأن وهبها روحا منه جسده في أكمل الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبرا عن ذلك : فَنَفَخْنا أي بعظمتنا بواسطة ملكنا روح القدس . ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتكميل نسائه في الدنيا والآخرة ، نص على المقصود بتذكير الضمير ولم يؤنثه قطعا للسان من يقول تعنتا : إن المراد نفخ روحها في جسدها : فِيهِ أي فرجها الحقيقي وهو جيبها وكل جيب يسمى فرجا ، ويدل على الأول قراءة « فيها » شاذة مِنْ رُوحِنا أي روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ولطف تكوينه أن يضاف إلينا لكونه خارجا عن التسبيب المعتاد وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام أو روح الحياة . ولما كان التقدير : فكان ما أردنا ، فحملت من غير ذكر ولدت عيسى عليه الصلاة والسّلام الذي كان من كلمتنا وهي « احملي » ثم كلمتنا « كن يا حمل من غير ذكر » ثم كلمتنا « لديه يا مريم من غير مساعد » ثم كلمتنا « تكلم يا عيسى في المهد بالحكمة » عطف عليه قوله : وَصَدَّقَتْ فاستحقت لذلك أن تسمى صديقة بِكَلِماتِ رَبِّها أي المحسن إليها بما تقدم وغيره مما كان من كلام جبريل عليه الصلاة والسّلام بسببه ومن عيسى عليه الصلاة والسّلام ومما تكلم به عن اللّه سبحانه وتعالى وَكُتُبِهِ أي وكتابه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 5418 و 3411 و 3433 ومسلم 2444 والنسائي 7 / 68 وابن ماجة 3280 وابن حبان 7114 وأحمد 4 / 394 و 409 من حديث أبي موسى الأشعري .