ابراهيم بن عمر البقاعي
38
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الطلاق ( 65 ) : الآيات 11 إلى 12 ] رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ( 11 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( 12 ) ولما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم صورة سورة القرآن ، فالقرآن باطنه وهو ظاهره لأنه خلقه لا قول له ولا فعل إلا به ، فكان كأنه هو ، أبدل منه قوله : رَسُولًا على أن الأمر فيه غي عن تأويل ، فإن الذكر بكسر الذال في اللغة كما في القاموس من الرجال القوي الشجاع الأبي ، ثم بين كونه ذكرا بقوله : يَتْلُوا أي يتابع أن يقص عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ أي دلائل الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام الظاهر جدا حال كونها مُبَيِّناتٍ أي لا لبس فيها بوجه . ولما تبين أن الذكر والرسول صارا شيئا واحدا ، وعلم ما في هذه المراسلة من الشرف ، أتبع ذلك بيان شرف آخر ببيان ثمرة إنزاله فقال : لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بالشهادتين وَعَمِلُوا تصديقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم الصَّالِحاتِ من الأعمال مِنَ الظُّلُماتِ أي النفسانية والأخلاق الرذيلة المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية إِلَى النُّورِ الروحاني العقيلي الخالص الذي لا دنس فيه بسلوك صراط اللّه الذي هو واحد لا شتات فيه وبين لا لبس فيه وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [ الأنعام : 153 ] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال الصالحة ، وذلك بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهرا له في حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم فيكونوا ذكرا . ولما كان التقدير : فمن آمن باللّه وعمل صالحا شاهد بركات ذلك في نفسه عاجلا ، عطف عليه بيانا لسعادة الآجلة قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي يجدد في كل وقت على الدوام الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه وَيَعْمَلْ على التجديد المستمر صالِحاً للّه وفي اللّه فله دوام النعماء ، وهو معنى إدخاله الجنة ، ولما كان قد تقدم قريبا في آية التقوى أنه يكفر عنه سيئاته ، قال شارحا لقوله : وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [ الطلاق : 5 ] : يُدْخِلْهُ أي عاجلا مجازا بما يتيح له من لذات العرفان ويفتح له من الأنس آجلا حقيقة جَنَّاتٍ أي بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار ، وبين دوام ريها بقوله : تَجْرِي وبين انكشاف كثير من أرضها بقوله : مِنْ تَحْتِهَا أي تحت غرفها الْأَنْهارُ أو هو كناية عن