ابراهيم بن عمر البقاعي

35

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

المرأة استنانا به صلّى اللّه عليه وسلّم في أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم فقال : لَهُ أي الأب أُخْرى * أي مرضعة غير الأم ويغني اللّه عنها وليس له إكراهها إلا إذا لم يقبل ثدي غيرها ، وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك . [ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 7 ] لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ( 7 ) ولما كانت المعاسرة في الغالب في ترك السماح ، وكان ترك السماح من خوف الإعدام ، نبه سبحانه على أن ذلك ليس بعذر بتقسيم الناس إلى موسع عليه وغيره ، ولأن الأليق بالموسع عليه أن يوسع ولا يسيء الظن بربه وقد جرب رفده ، وأن المقتر عليه لا ينبغي أن يفعل فعل من يخاف أن يخلف وعده ، فقال شارحا للمياسرة : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ أي مال واسع ولم يكلفه سبحانه جميع وسعه بل قال : مِنْ سَعَتِهِ التي أوسعها اللّه عليه . ولما كان الإعطاء من غير تقدير ملزوما للسعة ، كان التقدير كناية عن الضيق فقال : وَمَنْ قُدِرَ أي ضيق وسكنت عليه حركته ورقدت عنه معيشته عَلَيْهِ رِزْقُهُ بأن جعله اللّه الذي لا يقدر على التضييق والتوسيع غيره بقدر ضرورياته فقط من غير وسع لشيء غيرها لأمر من الأمور التي يظهر اللّه بها عجز العباد رحمة لهم ليهذب به نفوسهم ، وبناه للمفعول تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى : فَلْيُنْفِقْ أي وجوبا على المرضع وغيرها من كل ما أوجبه اللّه عليه أو ندبه إليه ، وبشر سبحانه وتعالى بأنه لا يخلي أحدا من شيء يقوم به ما دام حيا بقوله مشيرا بالتبعيض إلى أن ما أوجبه سبحانه لا يستغرق ما وهبه : مِمَّا آتاهُ اللَّهُ أي الملك الذي لا ينفذ ما عنده ولا حد لجوده ، ولو من رأس المال ومتاع البيت ومن ثمن الضيعة إن لم يكن له من الغلة لأنه سبحانه قد ضمن الإخلاف ، ومن ملك ما يكفيه للوقت ثم اهتم للزيادة للغد فذلك اهتمام غير مرحوم ، وصاحبه غير معان ، وفي هذا إرشاد إلى الاقتداء به صلّى اللّه عليه وسلّم في عدم التكلف واليسر في كل أمر على حسب الأوقات . ولما كان تعالى له التكليف بما لا يطاق ، أخبر بأنه رحم العباد بأنه لا يفعله ، فقال معللا أو مستأنفا جوابا لمن يقول : فما يفعل من لم يكن له موجود أصلا ، محببا في دينه صلّى اللّه عليه وسلّم مما فيه من اليسر : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ أي الذي له الكمال بأوصاف الرحمة والإنعام علينا بالتخفيف نَفْساً أي نفس كانت إِلَّا ما آتاها وربما أفهم ، أن من كلف إنفاقا وجد من فضل ما عنده ما يسده من الأثاث الفاضل عن سد جوعته وستر عورته .