ابراهيم بن عمر البقاعي

15

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الخلاص منه قلل من خوف داخله ، وكان التعبير بالصحبة مشعرا بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من الخلاص ، أكده بقوله : خالِدِينَ فِيها وزاد في الإرهاب منها بقوله مشيرا إلى مضار القلب بعد ذكر مضار القالب : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أي جمعت المذام كلها الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة إليها ، فكيف بكونها على وجه الإقامة زمنا طويلا فكيف إذا كان على وجه الخلود . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 11 إلى 14 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) ولما كان من تعرفه من المرغبين والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس قادرا على حفظه وضبطه حتى لا يحتاج العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ووكيل يلزمه ذلك العمل ويضبطه ، وكان قول المنافقين المتقدم في الإنفاق والإخراج من المصائب ، وكانت المصائب تطيب إذا كانت من الحبيب ، قال جوابا لمن يتوهم عدم القدرة متمما ما مضى من خلال الأعمال بالإيمان بالقدر خيره وشره ، مرغبا في التسليم مرهبا من الجزع قاصرا الفعل ليعم كل مفعول : ما أَصابَ أي أحدا يمكن المصائب أن تتوجه إليه ، وذكر الفعل إشارة إلى القوة ، وأعرق في النفي بقوله : مِنْ مُصِيبَةٍ أيّ مصيبة كانت دينية أو دنيوية من كفر أو غيره إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتقدير الملك الأعظم وتمكينه ، فلا ينبغي لمؤمن أن يعوقه شيء من ذلك عن التقوى النافعة في يوم التغابن . ولما تسبب عن ذلك ما تقديره : فمن يكفر باللّه بتقديره عليه الكفر يغو قلبه ويزده ضلالا فيفعل ما يتوغل به في المصيبة حتى تصير مصائب عدة فتهلكه ، عطف عليه قوله باعثا على أول ركني الإسلام وهو إصلاح القوة العلمية : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه بسبب الملك الأعظم وتقديره وإذنه يَهْدِ قَلْبَهُ أي يزده هداية بما يجدده له من التوفيق في كل وقت حتى يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل مصيبة ، فإنه يتذكر أنها من اللّه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ويفعل ويقول ما أمر اللّه به ورسوله فيخف عليه ، ولا يعوقه عن شيء من المنجيات في يوم التغابن ، بل يحصل له بسببها عدة أرباح وفوائد ، فتكون حياته طيبة بالعافية الشاملة في الدينيات