ابراهيم بن عمر البقاعي

13

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الرجال ، بل تهد شم الجبال : يَوْمَ أي تبعثون في يوم يَجْمَعُكُمْ أي أيها الثقلان . ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال إنما يذكر لأجل ما وقع فيه ، صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى : لِيَوْمِ الْجَمْعِ لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض من الحساب والجزاء الذي يكون فوزا لناس فيكونون غابنين ، ويكون خيبة لناس فيكونون مغبونين ، وكل منهم يطلب أن يكون غابنا . ولما كان هذا المقصد أمرا عظيما مقطعا ذكره الأكباد ، قال تعالى مشيرا إلى هوله بأداة البعد مستأنفا : ذلِكَ أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف يَوْمُ التَّغابُنِ الذي لا تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه ، والغبن : ظهور النقصان للحظ الناشئ عن خفاء لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون وسائر الخلق أجمعون ، ويكون فيه السمع والإبصار على غاية لا توصف بحيث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه كل أحد من أهل ذلك الجمع ، فإذا فضح أحد افتضح عند الكل ، وما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان ، ومادة « غبن » تدور على الخفاء من مغابن الجسد وهي ما يخفى عن العين ، وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه ، فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر ، وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم ، وقد غبنهما المؤمن والمظلوم على الحقيقة بنعيم الآخرة وكمال جزائها العظيم الدائم ، فالغبن فيه لا يشبهه غبن ، فقد بعث ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى أتم بعث ، وهي الحاملة على اتباع الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه ، ويحصل بعده للكافر العذاب الأليم . ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور ، ويكره أن يكون في الظلام ، ويحب أن يكون غابنا ، ويكره أن يكون مغبونا ، أرشدت سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير : فمن آمن كان في النور ، وكان في ذلك اليوم برجحان ميزانه من الغابنين ، ومن كفر كان في الظلام ، وكان في ذلك اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين ، فعطف عليه قوله بيانا لآثار ذلك الغبن ، وتفضيلا له بإصلاح الحامل على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية : وَمَنْ يُؤْمِنْ أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار بِاللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا كفؤ له . ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية ، أتبعه البدن وهو إصلاح القوة العملية فقال : وَيَعْمَلْ تصديقا لإيمانه صالِحاً أي عملا هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المنافع ودفع المضار .