ابراهيم بن عمر البقاعي
11
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
رسله فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا أنفسهم وأطلق الاستغناء ليعم كل شيء . ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له ، نفى ذلك بقوله مظهرا زيادة في العظمة : وَاللَّهُ أي المستجمع لصفات الكمال من غير تقيد بحيثية غَنِيٌّ عن الخلق جميعا حَمِيدٌ * له صفة الغنى المطلق والحمد الأبلغ الذي هو الإحاطة بجميع أوصاف الكمال على الدوام أزلا وأبدا ، لم يتجدد له شيء لم يكن . ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر خيره وشره ، وقسم الناس إلى مؤمن وكافر ، وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل ، عين الموجب الأعظم لكفرهم بقوله دالا على وجوب الإيمان بالبعث وترك القياس والرأي فإن عقل الإنسان لا يستقل ببعض أمور الإلهية ، معبرا بما أكثر إطلاقه على ما يشك فيه ويطلق على الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا جازمين ، لكونهم لا دليل لهم ، وإلى أنهم في نفس الأمر مبطلون : زَعَمَ قال ابن عمر رضي اللّه عنهما : هي كنية الكذب ، وفي حديث أبي مسعود رضي اللّه عنه عند أبي داود : « بئس مطية الرجل زعموا » « 1 » الَّذِينَ كَفَرُوا أي أوقعوا الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية اللّه تعالى ولو على أدنى الوجوه . ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان مما يتعدى إلى مفعولين ، أقام سبحانه مقامهما قوله : أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا أي من باعث ما بوجه من الوجوه . ولما كان قد أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على وجود المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجوب البعث ، اكتفى في الأمر بإجابتهم بقوله : قُلْ أي لهم : بَلى أي لتبعثن ، ثم أكده بصريح القسم فقال : وَرَبِّي أي المحسن إليّ بالانتقام ممن كذب بي ، وبإحقاق كل حق أميت ، وإبطال كل باطل أقيم لَتُبْعَثُنَّ مشيرا ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على وجه القهر لهم بأهون شيء وأيسر أمر وكذلك قوله : ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ أي لتخبرن حتما إخبارا عظيما ممن يقيمه اللّه لإخباركم بِما عَمِلْتُمْ للدينونة عليه . وشرح بعض ما أفاده بناء الفعلين للمجهول بقوله : وَذلِكَ أي الأمر العظيم عندكم من البعث والحساب عَلَى اللَّهِ أي المحيط بصفات الكمال وحده يَسِيرٌ * لقبول المادة وحصول القدرة ، وكون قدرته سبحانه كذلك شأنها ، نسبة الأشياء الممكنة كلها جليلها وحقيرها إليها على حد سواء .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد 762 وأبو داود 4951 وابن المبارك في الزهد 377 والقضاعي في مسند الشهاب 1334 من حديث أبي مسعود ، وإسناده صحيح .