ابراهيم بن عمر البقاعي
70
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كانت البطشة يوم بدر أو غيره فيخسر هنالك من كشف حال الابتلاء عن طغيانه ، وتمرده على ربه وعصيانه ، ويجوز أن يكون هذا ظرفا لعائدون . ولما كان ما له سبحانه من الحلم وطول الإمهال موجبا لأهل البلادة والغلظة الشك في وعيده ، قال مؤكدا إِنَّا مُنْتَقِمُونَ * أي ذلك صفة ثابتة لم نزل نفعلها بأعدائنا لنسر أضدادهم من أوليائنا . ولما كان التقدير : فلقد فتناهم بإرسالك إليهم ليكشف ذلك لمن لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه عما نعلمه في الأزل ، وفيما لا يزال ولم يزل ، من بواطن أمورهم ، فتقوم الحجة على من خالفنا على مقتضى عاداتكم ، عطف عليه محذرا لقريش ومسليا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله : وَلَقَدْ فَتَنَّا أي فعلنا على ما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الشيء بالإملاء والتمكين ثم الإرسال . ولما كان من المعلوم أن قوم فرعون لم يستغرقوا الزمان ولا كانوا أقرب الناس زمانا إلى قريش ، نزع الجار قبل الظرف لعدم الإلباس أو أنه عظم فتنتهم لما كان لهم من العظمة والمكنة ، فجعلها لذلك كأنها مستغرقة لجميع الزمان فقال : قَبْلَهُمْ أي قبل هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم وعظة . ولما كان فرعون من أقوى من جاءه رسول قبلهم بما كان له من الجنود والأموال والمكنة ، وكان الرسول الذي أتاه قد جمع له - صلّى اللّه عليه وسلّم - الآيات التي اشتملت على التصرف في العناصر الأربعة . فكان فيها الماء والتراب والنار والهواء ، وكانوا إذا أتتهم الآية قالوا : يا أيها الساحر ! ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ، فإذا كشف عنهم ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه كما أخبر تعالى عن هؤلاء عند مجيء الدخان - إلى غير ذلك مما شابهوهم فيه من الأسرار التي كشفها هذا المضمار ، وكان آخر ذلك أن أهلكهم أجمعين ، فكانوا أجلى مثل لقوله تعالى في التي قبلها فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً [ الزخرف : 8 ] خصهم بالذكر من بين المفتونين قبل فقال : قَوْمَ فِرْعَوْنَ أي مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا ، وسيأتي التصريح به في آخر القصة وَجاءَهُمْ أي المضافين والمضاف إليه في زيادة فتنتهم رَسُولٌ كَرِيمٌ أي يعلمون شرفه نسبا وأخلاقا وأفعالا ، ثم زاد بيان كرمه بما ظهر للّه به من العناية بما أيده به من المعجزات . ولما أخبر بمجيئه إليهم بالرسالة التي لا تكون إلا بالقول ، فسر ما بلغهم منها بقوله : أَنْ أَدُّوا أي أوصلوا مع البشر وطيب النفس ، وأبرز ذلك في صيغة الأمر الذي لا يسوغ مخالفته ولما كان بين موسى عليه الصلاة والسّلام وبين تصرفه في قومه حائل كثيف من ظلم فرعون وقومه ، أشار إليه بحرف الغاية فقال : إِلَيَّ ونبهه على أنه لا