ابراهيم بن عمر البقاعي
7
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إن كان مقربا ، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر ، بل لو أراد القرب طرد ، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر « إن » على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقا على غاية ما يكون من الإنصاف ، فيكون المعنى : أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف ، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف ، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدفع عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجوا إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباده ، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره لا يترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد ، والجحد والعناد ، فيدعوهم بأبلغ الحجة ، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره . ولما كان المعنى أن لا نترككم هملا ، كان كأنه قيل : هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسو عليهم الصلاة والسّلام ، فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولا هو أشرفكم نسبا وأزكاكم نفسا وأعلاكم همة وأرجحكم عقلا وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقا وأوجهكم عشيرة ، فعطف قوله تأنيسا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتأسية وتعزية وتسلية : وَكَمْ أَرْسَلْنا أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك . ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال ، ميزه بأن قال : مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال : وَما أي والحال أنه ما يَأْتِيهِمْ وأغرق في النفي بقوله : مِنْ نَبِيٍّ أي في أمة بعد أمة وزمان بعد زمان إِلَّا كانُوا أي خلقا وطبعا وجبلة بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * كما استهزأ قومك ، وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 8 إلى 13 ] فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 )