ابراهيم بن عمر البقاعي
611
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بعض أقاربهم ، فكان استغفاره بحيث يسأل عنه ، قال منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون : سَواءٌ أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم عليه حتى تخلقوا به فصار مجردا عن أدنى ميل وكلفة عَلَيْهِمْ . ولما كان قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أي في هذا الوقت أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أي فيه أو فيما بعده - مستو عندهم استغفارك لهم وتركه ، لأنه لا أثر له عندهم ، ولهذا كانت نتيجته - عقوبة لهم - النفي المبالغ فيه بقوله : لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ أي الملك الأعظم لَهُمْ ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه للإشارة إلى أنهم لو شاهدوا الملك يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك على ما عندهم شيئا ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قيد هذه الآية بآية براءة المحتملة للتخيير وأنه إن زاد على السبعين كان الغفران مرجوا ، فاستجاز بذلك الصلاة على ابن أبي رأس المنافقين والاستغفار له لما عنده صلّى اللّه عليه وسلّم من عظيم الشفقة على عباد اللّه ومزيد الرحمة لهم ولا سيما من كان في عداد أصحابه والأنصار رضي اللّه عنهم به عناية . ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار بعد الغفران لهم : لأن فسقهم قد استحكم فصار وصفا لهم ثابتا ، عبر عن ذلك بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له صفات الكمال لا يَهْدِي الْقَوْمَ أي الناس الذين لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه الْفاسِقِينَ * لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح . [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 7 إلى 8 ] هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) ولما كان هذا داعيا إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به ، قال مبينا له : هُمُ أي خاصة بواطنهم الَّذِينَ يَقُولُونَ أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام ، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور اللّه فتواصوا فيما بينهم بقولهم : لا تُنْفِقُوا أيها المخلصون في النصرة عَلى مَنْ أي الذين عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أي الملك المحيط بكل شيء ، وهم فقراء المهاجرين ، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكما