ابراهيم بن عمر البقاعي

601

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار ، قال ناهيا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه أعظمها : وَذَرُوا الْبَيْعَ أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها ، فأفاد النهي عن غيره من باب الأولى ، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة ، فإن خالف وباع صح العقد مع عصيانه ، فإن النهي ليس لعينه ولا لما هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق ، وهو ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب . ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى ، رغب فيه بقوله : ذلِكُمْ أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال بالدنيا خَيْرٌ لَكُمْ لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم ، وألهب إلى ذلك وزاد في الحث عليه بقوله : إِنْ كُنْتُمْ أي بما هو لكم كالجبلة تَعْلَمُونَ * أي يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا ، فإذا علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرا ، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره الفقهاء ، وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما يعلم أنه أعلى وجوه الخير ، وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر ، فإنه إذا حضر يكمل به العدد . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 10 إلى 11 ] فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها ، وأنه متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم ، بين وقت المعاش فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم ، ولهذا قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن شئت فأخرج وإن شئت فاقعد : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي وقع الفراغ منها على أي وجه كان فَانْتَشِرُوا أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ذلك فِي الْأَرْضِ جميعها إن شئتم ، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من اللّه لكم وَابْتَغُوا أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي زفلة الملك الأعلى