ابراهيم بن عمر البقاعي
597
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
باليهودية . ولما كان الحق يصدع من له أدنى مسكة ، فكانوا جديرين بالرجوع عن العناد ، عبر بأداة الشك فقال : إِنْ زَعَمْتُمْ أي قلتم قولا هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ الله أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ، خصكم بذلك خصوصية مبتدأة مِنْ دُونِ أي أدنى رتبة من رتب النَّاسِ فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا إلى أحد منكم غيركم ، بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما الأميين فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء إِنْ كُنْتُمْ أي كونا راسخا صادِقِينَ * أي عريقين عند أنفسكم في الصدق فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب ، ومن التطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر أنه يتمنى النقلة إلى وليه ، روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهم « والذي نفسي بيده لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه » فلم يقلها أحد منهم علما منهم بمصدقه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عنادا منهم . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) ولما كان التقدير : فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم امتثالا لأمرنا ذلك ، فلم يتمنوه في الوقت الحاضر ، تصديقا منا لنبوته وتعجيزا وتحقيقا لمعجزات رسالته ، دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله الدال قطعا على صدقه بتصديقهم له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أي في المستقبل ، واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من دعواهم هنا أنهم أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة ، وأيضا الولاية للتوسل إلى الجنة ، ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية ، بل البر والفاجر مشتركون فيها . ولما أخبر بعدم تمنيهم ، وسع لهم المجال تحقيقا للمراد فقال : أَبَداً وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء اللّه فقال : بِما قَدَّمَتْ ولما كان أكثر الأفعال باليد ، نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن القدرة فقال : أَيْدِيهِمْ أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظا في الآخرة بعلمهم . ولما كان التقدير تسببا عن هذا : لئلا يقولوا : سلمنا جميع ما قيل في الظالمين لكنا لسنا منهم فاللّه عليم بهم في أفعالهم ونياتهم ، عطف عليه قوله معلقا بالوصف