ابراهيم بن عمر البقاعي

573

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لا تَفْعَلُونَ * وقال القشيري : ويقال : لم يتوعد اللّه على زلة بمثل ما توعد على هذا - انتهى . وكل ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب الأعمال إلى اللّه لاجتهدنا فيه ثم ولّوا يوم أحد ، وتوانى بعضهم في الجهاد « 1 » ، وكون صهيب رضي اللّه عنه قتل يوم بدر رجلا آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى غيره أنه قتله فأعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر وعبد الرحمن بن عوف لصهيب رضي اللّه عنهم : أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنك قتلته ، فقال صهيب رضي اللّه عنه : « إنما قتلته للّه ولرسوله ، فأخبر عمر وعبد الرحمن رضي اللّه عنهما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أكذلك أبا يحيى ، فقال : نعم يا رسول اللّه » « 2 » والتزام المنافقين أحكام الإسلام ، وتخلفهم إخلافا في الأمور العظام ، وكذا قصة حاطب رضي اللّه عنه . ولما عظم ما يكرهه بعد ما ألهب به من تنزيه غير العاقل ، فكان العاقل جديرا بأن يسأل عما يحبه لينزهه به ، قال ذاكرا الغاية التي هي أم جامعة لكل ما قبلها من المحاسن ، مؤكدا لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال يُحِبُّ أي يفعل فعل المحب مع الَّذِينَ يُقاتِلُونَ أي يوقعون القتال فِي سَبِيلِهِ أي بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه إيقاعا مظروفا للسبيل ، لا يكون شيء منه كشيء خارج عنه ، فيقاتلون أعداء الدين من الشيطان بالذكر القلبي واللسان ، والإنسان بالسيف والسنان صَفًّا أي مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد . ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخر اليسير نفى ذلك بقوله حالا بعد حال : كَأَنَّهُمْ أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المراكز بُنْيانٌ وزاد في التأكيد بقوله : مَرْصُوصٌ * أي عظيم الاتصال شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل ، فإن من كان هكذا كان جديرا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئا من أقواله ، فالرص إشارة إلى اتحاد القلوب والنيات في موالاة اللّه ومعاداة من عاداه المنتج لتسوية الصفوف في الصلاة التي هي محاربة الشيطان ، والحرب التي هي مقارعة حزبه أولى الطغيان ، والأفعال التي هي ثمرات الأبدان .

--> ( 1 ) انظر الدر المنثور 6 / 316 - 317 والواحدي 817 وتفسير البغوي 4 / 307 فقد ذكروا ههنا أخبارا كثيرة . ( 2 ) لم أجده .