ابراهيم بن عمر البقاعي

567

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع أنه يسقط بين أيدي أمه ورجليها أنه يمشي أمامها ، وهذا شامل لما كان من شبهة أو لقطة . ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيما لأمرها لعسر الاحتراز منها ، وأكد النهي عن الزنى مطابقة وإلزاما لما يجر إليه من الشرور القتل فما دونه ، وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات وانتهاك الحرمات ، عم في النهي فقال : وَلا يَعْصِينَكَ أي على حال من الأحوال فِي مَعْرُوفٍ أي فرد كان منه صغيرا كان أو كبيرا ، وفي ذكره مع العلم بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقدم المنهيات على المأمورات المستفادة من المعروف لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التخلي بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح : فَبايِعْهُنَّ أي التزم لهن بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن وفت منهن في نظير ما ألزمن أنفسهن من الطاعة . ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله : وَاسْتَغْفِرْ أي اسأل لَهُنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع لأنه لا يقدر أحد أن يقدر اللّه حق قدره . ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما طمع به ، علله بقوله معيدا الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية الهجرة من النساء ونحو ذلك مؤكدا لما طبع الآدمي عليه من أنه لا يكاد يترك المسئ من عقاب أو عتاب فضلا عن التفضل بزيادة الإكرام : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له صفات الجلال والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه غَفُورٌ أي بالغ الستر للذنوب عينا وأثرا رَحِيمٌ * أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلا منه وإحسانا ، وقد حقق سبحانه ذلك وصدق ، ومن أصدق من اللّه قيلا ، فأقبل النساء للبيعة عامة ثاني يوم الفتح على الصفا بعد فراغه صلّى اللّه عليه وسلّم من بيعة الرجال فنزلت هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر بن الخطاب رضي اللّه أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعرفها ، فلما ذكر الشرك قالت : واللّه إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال ، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد ، فقال وَلا يَسْرِقْنَ فقالت : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفها فقال : وإنك لهند بنت عتبة ، قالت : نعم ، فاعف عني ما سلف عفا اللّه عنك ، فقال : وَلا يَزْنِينَ فقالت : أو تزني الحرة ، فقال وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم ،