ابراهيم بن عمر البقاعي
555
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم . ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا : أَبَداً ولما كان ذلك مرئيا من صلاح الحال ، وكان قد يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم : حَتَّى تُؤْمِنُوا أي توقعوا الأمان من التكذيب لمن أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان ، حال كونكم مصدقين ومعترفين بِاللَّهِ أي الملك الذي له الكمال كله . ولما كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا : وَحْدَهُ أي تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه . ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقول إبراهيم ومن معه في ذلك الوقت عليهم السّلام استثنى منه فقال تأنيسا لمن نزلت القصة بسببه واستعطافا له وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي اللّه عنه : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ أي فلا تأسي لكم به لِأَبِيهِ واعدا له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة للّه تعالى لكونه مطبوعا على قلبه ، فلا صلاح له ، يقال : إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له ، فلما تبين له ، أنه لا يؤمن تبرأ منه : لَأَسْتَغْفِرَنَّ أي لأوجدن طلب الغفران من اللّه لَكَ فإن هذا الاستغفار لكافر ، فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقا غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع . ولما وعده بالاستغفار ترغيبا له ، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار ، فقال : وَما أَمْلِكُ لَكَ أي لكونك كافرا مِنَ اللَّهِ أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال ، وأعرق في النفي بقوله : مِنْ شَيْءٍ والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع ، ولا يلزم منه التعرض للأجزاء ، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما نادى : واصباحاه حين أنزل اللّه سبحانه وتعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ كان يقول لكل من سماه : لا أملك لك من اللّه شيئا ، حتى قال في آخر ذلك : يا فاطمة بنت محمد ! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من اللّه شيئا « 1 » . ولما حثهم على التأسي بقول الخلص ، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة ، واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضا به بين أجزاء مقالهم بيانا للاهتمام به للتنفير منه من قوله ، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبينا أنهم ما أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به دون موادتهم وانقطعوا إلى اللّه وحده انقطاعا تاما يفعل بهم ما يشاء من تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم ، لكنهم سألوا الحماية لا لذاتها ولا لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالا رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا بتخليصك لنا
--> ( 1 ) تقدم عند آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ .