ابراهيم بن عمر البقاعي
539
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
« إن اللّه لا ينزع العلم انتزاعا بعد أن أعطاكموه » وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا اللّه تحقيق علم كما أنه لا رحمان إلا اللّه بادي معنى . ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق يقصرهم به ملكهم على بعض مستطاعهم ويدينهم - أي يجيزهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم من عادة قصره لهم وحكمه عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته بخفي أحوالهم والاطلاع على سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال الملك ، فكان لذلك لا تتحقق حقيقة الملك فيمن هو دون العلم بالسر وأخفى ، والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر ، الخبير بخبأ الكون ، فكان لا ملك في الحقيقة إلا اللّه ، ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعة بعضهم فوق بعض ما أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك الحقيقي ، فغلط من أراد اللّه من الخلق فيهم فضلوا بهم ، أعاد التهليل مع اسمه الملك كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء اللّه ، ولذلك أيضا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه الذي رواه الشيخان وأبو داود والترمذي في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم : لا ملك إلا اللّه ، « 1 » فقال مصرحا بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر على النسق الأول في البناء على الضمير تأكيدا لتعين المحدث عنه وتوحيده : هُوَ اللَّهُ أي الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء الَّذِي لا إِلهَ أي معبود بحق إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج إلى شيء ، فإنه مهما أراد كان . ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو باب الترف الملازم لمخالفة كتاب اللّه أما في الأعمال فيكون فتنة ، وأما في الرأي فيكون علوا وكبرا وكفرا ، فإن أمر اللّه في آدم على ما هو نبوة ثم ينزل فيصير خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون ملكا ثم تتداعى الأحداث ، فلمكان تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات الملك : الْقُدُّوسُ مصرحا بما لزم عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل وصم يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير ، فإن القدس طهر لا يقبل التغير ولا يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات القدس ، ولمكان ما حوّل سبحانه الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه أجرى عليهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6206 ومسلم 2143 وأبو داود 4961 والترمذي 2837 وابن حبان 5835 وأحمد 2 / 244 من حديث أبي هريرة .