ابراهيم بن عمر البقاعي
527
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيما ، سبب عنه إفهاما لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله فَأُولئِكَ : أي العالو المنزلة هُمُ أي خاصة لا غيرهم الْمُفْلِحُونَ * أي الكاملون في الفوز بكل مراد ، قال القشيري : وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر ، ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفة معاملته ومطالبة الناس في استيفاء حظه ، فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء . وشرح الآية أن الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم ، فلما أفاء اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني النضير خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم وأثرتهم على أنفسهم ، ثم قال : « إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللّه عليّ من بني النضير ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم ، فقال السعدان رضي اللّه عنهما : بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا ، وقالت الأنصار : رضينا وسلمنا ، وفي رواية أنهم قالوا : اقسم فيهم هذه خاصة واقسم لهم من أموالنا ما شئت ، فنزلت وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ - الآية ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار « 1 » ، وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : جزاكم اللّه خيرا يا معشر الأنصار ، فواللّه ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي : جزى اللّه عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقي الذي يلقون منا لملت فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء ، وخلان المروءة والوفاء ، والكرامة والاصطفاء ، ورضي اللّه عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء والسادة الحنفاء . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 10 ] وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 10 ) ولما أثنى اللّه سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي اللّه عنهم بما هم أهله ، التابعين لهم بإحسان ما يوجب لهم الثناء فقال عاطفا على المهاجرين فيقتضي التشريك معهم ، أو على أصل القصة من عطف الجمل : وَالَّذِينَ جاؤُ أي من أي طائفة كانوا ، ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير ، أثبت الجار فقال : مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4337 ومسلم 1059 والترمذي 3901 وابن حبان 4769 وعبد الرزاق 19908 وأحمد 3 / 88 و 246 من حديث أنس ، وليس فيه ذكر أنه سبب نزول .