ابراهيم بن عمر البقاعي

514

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

على بعض العورات ، وقال البغوي : إن كعب بن الأشرف أتى قريشا بعد أحد في أربعين راكبا فحالفهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل جبريل عليه السّلام عليه يخبره بذلك ، وقال : إنه لما قصدهم عليه السّلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه ، فإن آمنوا به آمن الكل ، فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فأخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا ، فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلما أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكف صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 3 إلى 5 ] وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 4 ) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم ، بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثا على ما ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ أي فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله ، ودل على أنه كتب إذلالا وإخزاء بقوله : عَلَيْهِمُ أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع الْجَلاءَ أي الخروج من ديارهم والجولان في الأرض ، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق ، وأما هؤلاء فحماهم اللّه بمهاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أي بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة وسبي الذرية ، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتما أنه يطهر المدينة بلد الوحي منهم . ولما كان التقدير : ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم ، عطف عليه قوله على طريق التهكم بالتعبير بأداة النفع : وَلَهُمْ أي على كل حال أجلوا أو تركوا فِي الْآخِرَةِ التي هي دار البقاء عَذابُ النَّارِ * وهو العذاب الأكبر . ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة ، علله بقوله : ذلِكَ أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة بِأَنَّهُمْ ولما كانوا قد ضموا في هذه القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفرا باطنا بما