ابراهيم بن عمر البقاعي

505

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الأحوذي : الخفيف في المشي لحدقه ، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له ، لم يقولوا : فقر ، فَأَنْساهُمْ أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم ذِكْرَ اللَّهِ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزا في فطرهم الأولى ، فصاروا لا يذكرونه أصلا بقلب ، ولا لسان . ولما كان ذلك ، أنتج ولا بد قوله : أُولئِكَ أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل حِزْبُ الشَّيْطانِ أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه ، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب ، وهم مطبوعون على بغضه ، وتركوا من له الكمال كله ، وذكر وحبه مركوز في فطرهم ، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله : أَلا وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهور التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال : إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ أي الطريد المحترق هُمُ أي خاصة الْخاسِرُونَ * أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 20 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ( 20 ) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 21 ) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 22 ) ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار ، بين أنه أوقعهم في العداوة ، فقال معللا الخسار والنسيان والتحزب ، وأكد تكذيبا لحالفهم على نفي ذلك مظهرا موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك : إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان ، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى اللَّهَ أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حدا لا يتعداه خصمه وَرَسُولَهُ الذي عظمته من عظمته . ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم ، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم ، قال تعالى نفيا لهذا الغرور الظاهر : أُولئِكَ أي الأباعد الأسافل فِي الْأَذَلِّينَ * أي الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل