ابراهيم بن عمر البقاعي
495
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الحزن في قلوب الَّذِينَ آمَنُوا أي يتوهمهم أنها بسبب شيء وقع مما يؤذيهم ، والحزن : هم غليظ وتوجع يرق له القلب ، حزنه وأحزنه بمعنى ، وقال في القاموس : أو أحزنه : جعله حزينا ، وحزنه : جعل فيه حزنا . فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من قراءة الجماعة . ولما كان ربما خيل هذا من في قلبه مرض أن في يد الشيطان شيئا من الأشياء ، سلب ذلك بقوله : وَلَيْسَ أي الشيطان وما حمل عليه من التناجي ، وأكد النفي بالجار فقال : بِضارِّهِمْ أي الذين آمنوا شَيْئاً من الضرر وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي تمكين الملك المحيط بكل شيء علما وقدرة ، روى الشيخان عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه » ولما كان التقدير : فقد علم أنه لا يخشى أحد غير اللّه لأنه لا ينفذ إلا ما أراده ، فإياه فليخش المربوبون ، عطف عليه قوله : وَعَلَى اللَّهِ أي الملك الذي لا كفوء له ، لا على أحد غيره فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم ، فإنه القادر وحده على إصلاحها وإفسادها ، ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره ، فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه ، لم يأذن في حزنهم ، وإن لم يفعلوا أحزنهم ، وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة ، وأما أصحاب البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 11 إلى 12 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه اختصاصا عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ظن الكدر وتباعد القلوب ، أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو مباعدة الأجسام اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن ، معلما لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة حسن الأدب بينهم وإن كان من أمور العادة دون أحكام العبادة ، فقال مخاطبا لأهل الدرجة الدنيا في الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حداهم بهذا الوصف على الامتثال إِذا قِيلَ لَكُمْ أي من أيّ قائل كان فإن الخير يرغب فيه لذاته : تَفَسَّحُوا أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع و فِي الْمَجالِسِ أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلسا