ابراهيم بن عمر البقاعي
493
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الاستدراج بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه فِي أَنْفُسِهِمْ من غير أن يطلعوا عليه أحدا : لَوْ لا أي هلا ولم لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ أي الذي له الإحاطة بكل شيء على زعم من باهانا بِما نَقُولُ مجددين مع المواظبة إن كان يكرهه - كما يقول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه الجزئية من هؤلاء القوم فثبت بذلك علمه سبحانه بجميع ما في الكون ، لأن نسبة الكل إليه على حد سواء ، فإذا ثبت علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته على الكل فكان على كل شيء شهيدا ، قال مهددا لهم مشيرا إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يقول مثل هذا إلا إن كان قاطعا بأنه لا يحصل له عذاب ، أو يحصل له منه ما لا يبالي به ثم يرده بقوته : حَسْبُهُمْ أي كفايتهم في الانتقام منهم وفي عذابهم ورشقهم بسهام لهيبها ومنكىء شررها وتصويب صواعقها جَهَنَّمُ أي الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والتكره والفظاظة . فإن حصل لهم في الدنيا عذاب كان زيادة على الكفاية ، فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة يَصْلَوْنَها أي يقاسون عذابها دائما فإني أعددتها لهم . ولما كان التقديرية فإنهم يصيرون إليها ولا بد ، تسبب عنه قوله : فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * أي مصيرهم ، وسبب ذلك أن اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون يوهمونهم أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيظنون أنه بلغهم شيء من إخوانهم الذين خرجوا في السرايا غزاة في سبيل اللّه من قتل أو هزيمة فيحزنهم ذلك ، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنهاهم عن التناجي في هذه الحالة فلم ينتهوا ، وروى أحمد والبزار والطبراني بإسناد - قال الهيثمي في المجمع إنه جيد لأن حمادا سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة - عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : سام عليك . ثم يقولون في أنفسهم : لولا يعذبنا اللّه بما نقول ، فنزلت « 1 » . وروى أبو يعلى عن أنس رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال عند ذلك : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا « وعليك » « 2 » . ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك موضع أن يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير ، استأنف قوله مناديا بالأداة التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم ، معبرا بأول أسنان الإيمان باقتضاء الحال له : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
--> ( 1 ) أخرجه البزار 2271 والطبراني كما في المجمع 7 / 122 وأحمد ( 6553 ) من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال الهيثمي : وإسناده جيد . ( 2 ) أخرجه البخاري 6258 و 6926 ومسلم 2163 وأبو داود 5207 والترمذي 3296 وابن ماجة 3697 وأبو يعلى 2916 وابن السني 243 وأحمد 3 / 499 من حديث أنس .