ابراهيم بن عمر البقاعي
49
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب ، قال له إبراهيم : عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم ، فقال له : يا أبتاه إبراهيم ! إن لم يمض إليهم واحد من الأموات ما يتوبون ؟ فقال له : إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن قام واحد من الأموات يصدقونه ، وقال لتلاميذه : سوف تأتي الشكوك والويل ، الذي تأتي الشكوك من قبله خير له لو علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر من أن يشكك أحدا من هؤلاء الضعفاء - واللّه أعلم . ولما كان الطريق الواضح القديم موجبا للاجتماع عليه ، والوفاق عند سلوكه ، بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق بهما بقوله : فَاخْتَلَفَ وبين أنهم أكثروا الاختلاف بقوله : الْأَحْزابُ أي إنهم لم يكونوا فرقتين فقط ، بل فرقا كثيرة . ولما كانت العادة أن يكون الخلاف بين أمتين وقبيلتين ونحو ذلك ، وكان اختلاف الفرقة الواحدة عجبا ، بين أنهم من أهل القسم فقال : مِنْ بَيْنِهِمْ أي اختلافا ناشئا ابتدأ من بين بني إسرائيل الذين جعلناهم مثلا لهم ، وقال لهم : قد جئتكم بالحكمة ، فسبب عن اختلافهم قوله : فَوَيْلٌ وكان أن يقال : لهم ، ولكنه ذكر الوصف الموجب للويل تعميما وتعليقا للحكم به . ولما كان في سياق الحكمة ، وهو وضع الشيء في أتقن مواضعه ، جعل الوصف الظلم الذي أدى إليه الاختلاف فقال : لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة لما أتاهم صلّى اللّه عليه وسلّم به من الحكمة مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ أي مؤلم ، وإذا كان اليوم مؤلما فما الظن بعذابه . ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش وغيرهم ، أتبعه ما هو كالتعليل مبرزا له في سياق الاستفهام لأنه أهول فقال : هَلْ وجرد الفعل إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه بمرأى فقال : يَنْظُرُونَ أي ينتظرون إِلَّا السَّاعَةَ أي ساعة الموت العام والبعث والقيام ، فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه . ولما قدم الساعة تهويلا تنبيها على أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها مرئية بالعين هزا لهم إلى تقليب أبصارهم لتطلب رؤيتها ، أبدل منها زيادة في التهويل قوله تعالى : أَنْ تَأْتِيَهُمْ وحقق احتمال رؤيتها بقوله : بَغْتَةً ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل من بعض الوجوه ، أزال هذا الاحتمال بقوله : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يحصل لهم بعين الوقت الذي يجيء نوع من أنواع العلم ، ولا بما كالشعرة منه . ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة ، بين ما يكون في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاستئناف في جواب من يقول : هل يقومون على ما هم عليه الآن ؟ فقال : الْأَخِلَّاءُ أي في الدار يَوْمَئِذٍ أي