ابراهيم بن عمر البقاعي

483

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان مقتضى اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها ، فكان إمساكها بعده ينبغي أن يكون في غاية البعد ، قال مشيرا إلى ذلك بأداة البعد ثُمَّ يَعُودُونَ أي بعد هذا القول لِما قالُوا بالفعل بأن يعاد هذا القول مرة أخرى أو بالقوة بأن يمسكوا المقول ذلك لها زمنا يمكن أن يعاد فيه هذا القول مرة ثانية من غير مفارقة بلفظ مما ناط اللّه الفرقة به من طلاق أو سراح أو نحوهما ، فيكون المظاهر عائدا إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا القول في ذلك الزمن ، وذلك لأن العادة قاضية بأن من قال قولا ولم يبته وينجزه ويمضه بأن يعود إلى قوله مرة أخرى وهلم جرا ، أو يكون التقدير لنقض ما قالوا : فيحلوا ما حرموا على أنفسهم بعدم البت بالطلاق ، فإن كان الظهار معلقا لم يلزم حكمه إلا بالحنث ، فإن طلق في الحال وإلا لزمته الكفارة ، وحق العبارة التعبير باللام لدلالتها على الاتصال كما يقتضيه الحال بخلاف « إلى » فإنها تدل على مهلة وتراخ ، هذا في الظهار المطلق ، وأما الموقت بيوم أو شهر أو نحو ذلك فلا يكون عائدا فيه إلا بالوطء في الوقت المظاهر فيه ، وأما مجرد إمساكها فليس بعود لأنه إنما أمسكها لما له فيها من الحل بعد وقت الظهار . ولما كان المبتدأ الموصول مضمنا معنى الشرط ، أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر الوجوب بتكرر سببه فقال : فَتَحْرِيرُ أي فعليهم بسبب هذا الظهار والعود تحرير رَقَبَةٍ أي سليمة عن عيب يخل بالعمل كاملة الرق مقيدة أيضا بمؤمنة لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل ، فيحمل هذا على ذاك ، ولأن معاوية بن الحكم رضي اللّه عنه كانت له جارية فقال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « عليّ رقبة أفأعتقها ، فسألها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن اللّه فأخبرته بما دل على توحيدها فقال : من أنا ؟ فقالت : أنت رسول اللّه ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة » « 1 » رواه مالك ومسلم ، فعلل الإجزاء بالإيمان ولم يسأله عن سبب الوجوب ، فدل على أنه لا فرق بين واجب وواجب ، والموجب للكفارة الظهار والعود جميعا كما أن الموجب في اليمين اليمين والحنث معا . ولما كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه ، أدخل الجار فقال : مِنْ قَبْلِ ولما كان المراد المس بعد المظهارة لا مطلقا قال : أَنْ يَتَمَاسَّا أي يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو منها بما أفادته صيغة التفاعل ، وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى وجوه التماس وأخفاها بما أشار إليه الإدغام

--> ( 1 ) أخرجه مسلم 537 وأبو داود 9300 و 3282 والنسائي 3 / 14 وابن حبان 165 ومالك 3 / 5 - 6 والبيهقي 10 / 57 وابن الجارود 212 وأحمد 5 / 448 من حديث معاوية بن الحكم السلمي .