ابراهيم بن عمر البقاعي
461
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان مظهر العظمة مقتضيا لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به ، كائنا من كان ، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال : فَمِنْهُمْ أي ذرية هذين الصنفين مُهْتَدٍ هو بعين الرضا منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم يزغ أصلا وإن كان من أولاد الأعداء . ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل ، كان مستحقا للمبالغة في الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيرا ، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى أن الأغلب الضلال فقال : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أي الذرية الموصوفين فاسِقُونَ * هم بعين السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريط وإفراط . ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال مشيرا إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي : ثُمَّ قَفَّيْنا أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه عَلى آثارِهِمْ أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل ، ولا يعود الضمير على ( الذرية ) لأنها باقية مع الرسل وبعدهم بِرُسُلِنا أي فأرسلناهم واحدا في أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة ، لا ننشىء آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه ، فكل رسول بين يدي الذي بعده ، والذي بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى اللّه والثاني تابع له ، فنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أعرق الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي بعده ، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه . ولما كان عيسى عليه السّلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السّلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم صلّى اللّه عليه وسلّم في تجديد دينه وتقرير شريعته ، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقا على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده ، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال : وَقَفَّيْنا أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسّلام ، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه صلّى اللّه عليه وسلّم وَآتَيْناهُ بما لنا من العظمة الْإِنْجِيلَ * كتابا ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبينا للقيامة مبشرا بالنبي العربي موضحا لأمره مكثرا من ذكره وَجَعَلْنا لعزتنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي بغاية جهدهم ، فكانوا على مناهجه رَأْفَةً أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى