ابراهيم بن عمر البقاعي
438
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
غيره ؛ فقال : بِما تَعْمَلُونَ أي على سبيل التجدد والاستمرار بَصِيرٌ * أي عالم بجلائله ودقائقه . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 5 إلى 7 ] لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 5 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكا ، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه ، وكان إنكارهم للبعث إنكارا لأن يكون ملكا ، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال : لَهُ أي وحده مُلْكُ السَّماواتِ وجمع لاقتضاء المقام له وَالْأَرْضِ أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس ، ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفا على ما تقديره : فمن اللّه المبدأ ، معبرا بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم : وَإِلَى اللَّهِ أي الملك الذي لا كفؤ له وحده تُرْجَعُ بكل اعتبار على غاية السهولة الْأُمُورُ * أي كلها حسا بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء ، ودل على هذا الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال : يُولِجُ أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فإذا قد قصر بعد طوله ، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله ، فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام وَيُولِجُ النَّهارَ الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه فِي اللَّيْلِ الذي قد كان غاب في علمه ، فإذا الظلام قد طبق الآفاق ، والطول ، الذي كان له قد صار نقصا . ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء ، أتبعه علم ما هو عند الناس أخفى ما يكون فقال : وَهُوَ أي وحده عَلِيمٌ أي بالغ العلم بِذاتِ الصُّدُورِ * أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها من الهمزات على مدى الأيام على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها . ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص ، وإحاطته بكل صفة كمال ، المقتضي لثبوت أن الملك له ، الموجب قطعا لتفرده بعموم الإلهية ، المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه ، وختم بالعلم بالضمائر التي أجلها الإيمان ، قال آمرا بالإذعان له ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : آمِنُوا أي أيها الثقلان بِاللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا مثل له وَرَسُولِهِ الذي عظمته من عظمته . ولما كان الإيمان أساسا ، والإنفاق وجها ظاهرا ورأسا ، قال جامعا بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي : وَأَنْفِقُوا أي في إظهار دينه : ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم اللّه