ابراهيم بن عمر البقاعي
434
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
خفاء به ، ثم اتبع بقوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ [ الواقعة : 58 ] الآيات إلى قوله وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [ الواقعة : 73 ] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم ، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك أبهذا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [ الواقعة : 81 ] واستمر توبيخهم إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الواقعة 87 ] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم ، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ الواقعة : 69 ] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم ، ثم أعقب ذلك بقوله سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي سبح باسم ربك ، فهي سنة العالم بأسرهم وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 83 ] سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم أتبع ذلك بقوله : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال ، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله : وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى ، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ * واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة - انتهى . ولما أخبر بذلك ، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله : لَهُ أي وحده مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهرا وباطنا ، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية - وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر ، والملك الباطن الغائب عنا ، وأعظمه المضاف إلى الآخرة وهو الملكوت ، قال القشيري : الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة ، قال ، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا اللّه ، وإذا قيل لغيره : مالك ، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك ، فالآية من الاحتباك : ذكر ما بين السماوات والأرض أولا دليلا على حذف ما بينهما ثانيا ، وذكر الخافقين ثانيا دليلا على حذف مثل ذلك أولا ليكون التسبيح والملك شاملا للكل . ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه ، وكان ربما عاند معاند ، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها : يُحْيِي أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطوار يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء