ابراهيم بن عمر البقاعي

393

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أي ولكل من ، ووحد الضمير مراعاة للفظ ( من ) إشارة إلى قلة الخائفين خافَ أي من الثقلين . ولما كان ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد لهما أبلغ من ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر ، والخوف مع ذكر وصف الإكرام أبلغ من ذكر الخوف عند ذكر أوصاف الجلال ، قال دالّا بذلك على أن المذكور رأس الخائفين : مَقامَ رَبِّهِ أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير ، فهو رقيب عليه وعليهم ، فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه وفعل ما يرضيه جَنَّتانِ عن يمين وشمال ، واحدة للعلم والعقل وأخرى للعمل ، ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاما لأنها جنان متكررة ومتكثرة مثل أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ ق : 24 ] ونحو ذلك . ولما كانت هذه نعمة جامعة ، سبب عنها قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي نعم المربي لكما والمحسن إليكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر غيره على شيء منها تُكَذِّبانِ * أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من القلب أو غيرها من تربة جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها ، فجعل من ذلك جميع الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [ يوسف : 105 ] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى . ولما كانت البساتين لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع المشتبكة والأغصان ، قال واصفا لهما : ذَواتا أي صاحبتا برد عين الكلمة فإن أصلها « ذوو » أَفْنانٍ * أي جمع فن يتنوع فيه الثمار ، وفنن وهو الغصن المستقيم طولا الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع ، قال عطاء : في كل غصن فنون من الفاكهة ؛ ولهذا سبب عنه قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي المربي لكما والمحسن إليكما تُكَذِّبانِ * أبنعمة الشم من جهة الفوق أو غيرها مما ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به . ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال : فِيهِما عَيْنانِ أي في كل واحدة عين تَجْرِيانِ * أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها ، وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه الجاريتين من خشية اللّه وذلك على مثال جنان الدنيا ، والشمس صاعدة في البروج الشمالية من تكامل المياه وتفجرها عيونا في أيام الربيع والصيف لقرب العهد بالأمطار فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي