ابراهيم بن عمر البقاعي
391
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالشاهد المألوف أعظم في التعريف ، وكان علم أحوال الشيء الظاهر أسهل ، قدمهم فقال : إِنْسٌ ولما كان لا يلزم من علم أحوال الظاهر علم أحوال الخفي ، بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال : وَلا جَانٌّ * ولما كان هذا التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض المطيعين عاملا أو نكاية بالسؤال عنه قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي الذي ربى كلّا منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه تُكَذِّبانِ * أبنعمة الشم من الأمام أم من غيرها . ولما كان الكلام عاما عرف أنه خاص بتعرف المجرم من غيره دون التعزير بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللا لعدم السؤال : يُعْرَفُ أي لكل أحد الْمُجْرِمُونَ أي العريقون في هذا الوصف بِسِيماهُمْ أي العلامات التي صور اللّه ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة ، وظاهرة الدلالة عليهم كما يعرف أن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلا وكذلك النهار ونحوهما لغير الأعمى ، وتلك السيما - واللّه أعلم - زرقة العيون وسواد الوجوه والعمى والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك ، وكما يعرف المحسنون بسيماهم من بياض الوجوه وإشراقها وتبسمها ، والغرة والتحجيل ونحو ذلك ، وسبب عن هذه المعرفة قوله مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أي آخذ كان فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي أي منهم وهي مقدمات الرؤوس وَالْأَقْدامِ * بعد أن يجمع بينهما كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر اللّه به أن يفرق ، ويفرقون ما أمر اللّه به أن يجمع ، فيسحبون بها سحبا من كل ساحب أقامه اللّه لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار . ولما كان ذلك نعمة لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي من الإجرام ويود للمجرمين عظيم الانتقام ، سبب عنه قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي النعم الكبار من الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم تُكَذِّبانِ * أبنعمة الشم من الوراء أم بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل . ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذنا بأنه يصير إلى خزي عظيم ، صرح به في قوله ، بانيا على ما هدى إليه السياق من نحو : أخذا مقولا فيه عند وصولهم إلى محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ بنواصيهم وأقدامهم : هذِهِ أي الحفرة العظيمة الكريهة المنظر « القريبة منكم » الملازمة للقرب لكم جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ أي ماضيا وحالا ومآلا استهانة وَلَوْ رُدُّوا - إلى الدنيا - بعد إدخالهم إياها - لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] بِهَا الْمُجْرِمُونَ * أي العريقون في الإجرام ، وهو قطع ما من